الصفحة 43 من 126

قال ابن القيم يحكي عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى: (أنَّه صلَّى الفَجرَ مرةً ثُمَّ جَلَسَ يذكُرالله تعالى إلى قَريبٍ مِن انتصافِ النَّهارِ، ثمَّ الْتَفَتَ إليَّ وقَالَ: هذه غَدْوَتِي، وَلو لمَ أتغدَّ الغَداءَ سَقَطت قُوتِي، وقال لي مرةً: لا أترُكُ الذِّكر إلا بِنيَّةِ إجمَامِ نفسي وإراحتِها لأستعِدَّ بِتِلكَ الرَّاحة لذكرٍ آخر) [1] .

فالعبادةُ غذاءُ الرَّوح كما أنَّها غذاء البدن ولا شكَّ في ذلك، فقد قال رسول الله-صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-:"عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إلى الله، وَمَنْهَاةٌ عَن الإِثْمِ، وتَكْفِيرٌ للسَّيئَاتِ ومَطْرَدَةٌ للدَّاءِ عَن الجَسَدِ" [2]

إنَّ الميدان التَّعبُدي ميدانٌ لا بُدَّ لكم مِنه لِتكونوا قريبين من ربِكم أقوياء به، فالمُجاهدُ قويٌ بربِهِ، قويٌ بإيمانهِ، قويٌ بعقيدتِه. إنَّ هذه القوة هي عَتَادُكم الذي متى ما فقدتُموه لم ينفعْكُم عتادٌ آخر، وسلاحُكم الذي متى ما أضعتُموه لم يُجْدِ معه سلاحٌ آخر. فالنَّصرُ من عندِ الله ولا يستحِقُّهُ إلا من كان موصولًا بِه كُلَّ الصِّلة، مُعتمِدًا عليه كلَّ الاعتماد، موقِنًا بمعيَّتِهِ كل اليقين.

درسٌ صعب

"وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ". [3]

لقد كان درسًا قاسيًا ذلك الدَّرس يوم قال أحدُ المجاهدين من الصَّحابةِ في غزوة حنين: (لن نُغلبَ اليوم مِن قلَّة) فظهر الاتِّكالُ على القوَّةِ الماديَّة دون القوَّةِ الرُّوحيَّة، واغترَّ المُسلمون بكثرتِهم، فكان لا بُدَّ من التربيةِ ولو كانت قاسية، ومِن الدَّرسِ ولو كان صعبًا، ومن العتابِ ولو كان مُرًَّا، لأنَّ أيَّ خللٍ في هذا المفهوم- مفهوم النصر وأسبابِه- يعني الانحراف الذي لا يستقيم، والهزيمة التي لا تنجبر. فالنَّصرُ للأكثر عبادةً وتقوىً واتِّصالًا، لا للأكثر جَمعًا وعددًا!! وللأكثر التزامًا وصدقًا وتجرُّدًا، لا للأكثر عُدةً وعتادًا.

(1) الوابل الصيب ص 63

(2) رواه الترمذي برقم 3549 وقال حديث غريب

(3) التوبة 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت