فكان يوم حنين وكان الإعجاب بالقوة، فكانت الهزيمة، وكان أن ضاقت الأرضُ عليهم بما رحُبت، وولوا مُدبِرين. ثمَّ أنزل الله سَكِينَتَه ونَصرَهُ على القلةِ التي ثَبَتَتْ، وعَرَفَتْ أنْ لا نَصرَ إلا بِالإِيمان والصدق واليقين ولاتِّصال بالله"ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا" [1]
بهُداهم اقتدِه
أيُها الفُرسان! لقد كان أسلافُكم المجاهدون من الصَّحابةِ والتَّابعين ومن جاء بعدهُم (رُهبانُ ليلٍ وفُرسانُ نهار) . قيامٌ بالليل، وصيامٌ بالنَّهار، وما بين ذلك تلاوةٌ للقرآن، وذِكرٌ لله، وتنفلٌ ما وسعهم ذلك ووجدوا له بعد عنائهم وقتًا، فاستراحة أحدهم كانت بذلك الزادِ الكبير، وتلك العِبادة المُتنوعة.
لقد كانوا بحقٍّ فرسانًا في كلِّ مجالٍ يدخُلونَه، وكلَّ صهوةٍ يمتطونها، وإليكَ جانبًا من فروسيَّةِ أولئك الرِّجال:
-عن جابر بن عبد الله، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله،، فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ امرأَةَ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انصَرَفَ رَسُولُ الله قَافِلا أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ، حَلَفَ لا يَنْتَهِي حَتَّى يهرِيق في أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ الله، فَنَزَلَ رَسُولُ الله مَنْزِلا، فَقَالَ:"مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هذِهِ"؟ فانتدبَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ (وهو عمار بن ياسر) ، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (وهو عباد بن بشر) قَالا: نَحْنُ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ:"فَكُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ"، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله وَأَصْحَابُه نَزَلُوا إلى شِعْبٍ مِنَ الوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلانِ إِلى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَي اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أنْ أَكْفِيَكَ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعَ المُهَاجِرِيُّ، فَنَامَ، وَقَامَ الأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى زَوْجُ المَرْأَةِ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ، عَرَفَ أنَّهُ ربِيئَةُ القَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، فَوَضَعَهُ،
(1) التوبة 26