الصفحة 54 من 126

-"يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ" [1]

ماذا لو قيلت هذه الكلمات اليوم في حقِّ قائدٍ أو فردٍ؟! ماذا لو حرَّشتْهُ بِطانتُه وأوحت إليهِ أنَّهُ المقصودُ فيها؟! أليس الغالبُ أن يكون الردُّ طيشًا؟! والتصرُّف انفعالًا؟! والنتيجةُ مظهرًا من مظاهر الغضب للنفس؟! ومن ثَمَّ إلغاء كل الاعتبارات التي من أجلها خرج ومن أجلها جاهد وعليها عاهد أن يكون جهاده لله، وأن يتحمَّل في سبيلهِ ما يلقاه، وأن لا يغضب إلاَّ لله؟! ثُم نسيَ أو تناسى (أنَّ الحِكْمَةُ بمعنى(الحِلْم) وهو ضَبْطُ النَّفْسِ والطَّبْعِ عن هَيَجَانِ الغَضَبِ [2] !!

هذا الطريق فأين السالك

ولكن الرؤوسَ التي خرجت من جُحورِها تنضَحُ نِفاقًا وتمتلؤُ حِقدًا، تنفُثُ العباراتِ الجارحةِ المؤلمةِ في حقِّ أكرمِ الناسِ، وأعدلِ الناسِ، وأبرِّ الناس ما كانت لتجِدَ إلاَّ الحكمةَ في التعامل، والحرصَ على نتائج الحاضر والمستقبل وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وهذا ما أوضحه ابن القيم رحمه الله حين يقول: (وقد كان في تركِ قتلِ من ذكرتُم وغيرهِم(يعني ممن تعرضوا بالطعن في النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-) مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته؛ من تأليف الناس وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهُم أنَّه يقتلُ أصحابَه لنفروا، وقد أشارَ إلى هذا بعينِه وقال لعمر لَمَّا أشار عليه بقتلِ عبد الله بن أُبَي:"لا يبلغ الناس أن محمدًا يقتُلُ أصحابه")

ويقول رحمه الله: (ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتلِ من سبه وآذاه) [3] (وأيضا فإنه كان يعفو عن حقه لمصلحة التأليف وجمع الكلمة ولئلاَّ ينفر الناس عنه ولئلا يتحدثوا أنه يقتل أصحابه وكل هذا يختص بحياته - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- [4]

حكمةُ التعامل مع الأفراد

(1) زاد المعاد 3/ 411 قصة الزبير رضي الله عنه وخصمه

(2) تاج العروس 31/ 513

(3) زاد المعاد 3/ 441 انظر رأي ابن القيم رحمه الله في هذا الموضوع كاملًا في نفس الصفحة

(4) زاد المعاد 5/ 61

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت