لذلك (يُقال لِمَنْ يُحْسِنُ دَقائق الصِّناعات ويُتْقِنُها حَكِيمٌ [1]
الجهاد صِناعةٌ مادتُها الأساسيةُ البشر، وموارِدها البشر، ووقودُها البشر، ومُستهلكوها البَشر، والمجاهِدُ الحكيم هو من يَعرِفُ كيف يَجعلُ من النّارِ والحديدِ، والبارودِ والرصاصِ، والصواريخِ والطَّائراتِ أبوابَ رحمةٍ لهؤلاء البشر، لا أبواب شقاءٍ وعذابٍ وآلام؛ وذلك حين يرفعُ الظُلم، ويقتلِعُ البغي، ويُمهِّدُ للعدلِ الذي جاء به هذا الدين، ولن يكون ذلك إلاَّ بالحِكمةِ ووضعِ الأشياءِ في مكانها الصحيح، وزمانِها الصحيحِ، واستخدامها الصحيح.
تأجيل المعارك الجانبيَّة ..
لم يكُن النبيُّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- مشغولًا بالمعارك الجانبيِّة التي يفتعِلها البعضُ هنا وهناك؛ وذلك لِحكمةٍ يراها ومصلحةٍ يتوقعها مما دفعهُ إلى تأجيلها، كما لم يكُن عليه الصلاةُ والسلام مُستعجِلًا في إصدار الأحكامِ ضدَّ خُصومِهِ ممن طعنوا فيه وفي عدلهِ وحُكمِهِ وعِرضِهِ، مع أنّها أمورٌ جزاؤها القتل، وما ذاك إلاَّ لحمكتِه عليه الصلاةُ والسلام وتقديرِه الصائِب لنتائجِ الأمور، دونَ النظَرِ إلى الضُغوطِ القريبةِ والبعيدةِ، ودون الالتفاتِ إلى الأحاسيسِ والعواطِفِ الصادِقةِ المُتألِّمةِ، غير أنَّها مُستعجِلة وغير ناضِجةٍ نضوجَ القائدِ الحكيمِ المُتمرِّس.
-"لإن رَجعْنا إلى المدينةِ لَيُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذل" [2]
-"أنَّك تنهى عنِ الغيِّ وتسْتخلي به" [3]
-"والله إِنَّ هذه الْقِسْمَةَ ما عُدِلَ فيها وما أُرِيدَ بها وَجْهُ الله" [4]
(1) تاج العروس 31/ 521
(2) القائل رأس النفاق بن أبي
(3) زاد المعاد 3/ 411
(4) عن عبد اللَّهِ رضي الله عنه قال لَمَّا كان يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النبي أُنَاسًا في الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بن حَابِسٍ مِائَةً من الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذلك وَأَعْطَى أُنَاسًا من أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْقِسْمَةِ قال رَجُلٌ والله إِنَّ هذه الْقِسْمَةَ
ما عُدِلَ فيها وما أُرِيدَ بها وَجْهُ اللَّهِ فقلت والله لَأُخْبِرَنَّ النبي فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فقال فَمَنْ يَعْدِلُ إذا لم يَعْدِلْ الله وَرَسُولُهُ رَحِمَ الله مُوسَى قد أُوذِيَ بِأَكْثَرَ من هذا فَصَبَرَ (رواه البخاري)