الحِلم الذي يقود مسيرتَنا بهدوء .. ويعبُرُ بها خضمَّ المصاعب والعوائقِ والمحنِ بهدوء .. ويصلُ بها إلى برِّ النَّصر والنجاح والتمكينِ بهدوء!!
هدوءُ الواثِقِ بالنَّصرِ رغم حالة الهزيمة .. المُتيقِن من النَّجاح رغم حالة الفشل .. المُطمئنِّ للتمكينِ رغم الطردِ والتشريد!!.
متناقِضاتٌ صعبةٌ، ومفارقاتٌ بعيدةٌ؛ ولكنَّها الطَّبيعةُ المُلازمة للحِلمُ والتي تجلِبُ الصبر والثقة والاطمِئنان.
ثقةُ الحليم
انظر معي سفيهًا من سفهاء قريش يعترضُ نبيَّك - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- فينثُر على رأسه ترابًا!! ( .. فدخل رسول الله بيتَه والتراب على رأسه، فقامت اليه إحدى بناته تغسلُه وتبكي، ورسول الله يقول:"لا تبكي يا بنية فان الله مانع أباك") . [1]
لا والله! لا يقولُ هذه الكلمة إلاَّ نبيٌ حوى الحِلم قبل أن يحتويه، واستوعبتهُ نفسُه وروحُهُ وأخلاقه، وكأنَّ الحِلم خُلِق رجُلًا هو محمدٌ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-!! لم يكُن مثلُه - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- في الحِلم، والثبات، والصبر، واستقرار النَّفسِ واطمئنانها رغم زلازل الدُنيا التي كانت تهُزُّ الأرضَ من تحتِ قدميه!! فهو قد خُلقَ كذلك ليغلِب الأحداث، ويَنتصرَ على الحوادِث بكُلِّ صمتٍ وهدوء، وهكذا ساد عليه الصلاة والسلام.
ألم تَرَ أنَّ الحِلْمَ زَيْنٌ مُسَوِّدٌ ... لِصاحِبِهِ والْجَهْلُ للمَرْءِ شائِنُ [2]
من اعتلا السنام لا يتراشق بالكلام
(إنَّ النَّصر في معركةِ الحياةِ لا يأتي بالمالِ والثراءِ والمتاع؛ ولكن من المُعاناةِ والشِدةِ والصبر) [3] ، والمجاهدُ في معركته مع الباطِل بحاجةٍ إلى الصَّمتِ وإن كانَ مُرًا، والتغابي وإن كان صعبًا ..
(1) البداية والنهاية 3/ 122
(2) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء
(3) وحي القلم 444