أيها الفارس:
صاحِبُ الشَّهوةِ عَبْدٌ فإِذا ... غَلَبَ الشَّهوةَ صَارَ الْمَلِكَا
إنَّ المُلكَ ليس في الحكم، بل المُلكُ في التَّحكم، حين تَحْكُم هذه الشهوات وتُلجمها وتُعيقُها قبل أن تعيقك، وتكسرُها قبل أن تكسرك، وتنتصرُ عليها قبل أن تنتصر عليك؛ إذ كيف ينتصرُ على الآخرين من لم ينتصرْ على شهوته؟!
وفي العمل الجهادي، وفي سوح الجهاد - حيث تكثُر المسئوليات التي تُبرِزُ أصحابها في الغالب - تَبرُزُ شهوةٌ يسميها أهل التربية والسلوك (الشهوةُ الخفيَّة) وهي حُبُّ الرياسة والقيادة!! شهوةٌ تستعصي على من لم تستعصي عليه الجيوش الهادِرَةُ، والأسوارُ القاهرة، والأسلحةُ المدمرة!! فهي تحدياتُ نفسٍ أقسمَ الله بها حيث ألهمها فجورها وتقواها .. إنّه إغراءُ الرياسة وبَطَرُ المنصب، وهو ما فطن له شداد بن أوس وحذَّر منه حيث قال لأصحابه يوم أن تسجَّى بثوبه ثم بكى فقالوا: ما يُبكيك؟! قال: (إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم: الشهوةُ الخفية، والرياء الظاهر إنكم لن تُؤتوْا إلا من قِبَلِ رؤوسِكم، إنكم لن تؤتوا إلا من قبل رؤسِكم، إنكم لن تؤتوا إلا من قبل رؤسِكم، الذين إن أَمروا بخير أُطيعوا وإن أَمروا بشر أُطيعوا!! وما المنافق؟! إنما المنافق كالجمل اختنق فمات في ربقه [1] لن يعدو شره نفسه) [2]
لقد امتلأ تاريخُنا وتاريخ غيرنا من مقدمات هذه الآفة الخطيرة النكدة ونتائجها، حيث التَّشاحُنُ والتَّلاعنُ والتطاحنُ على حُطامِ كرسيٍ، أو بقايا دولةٍ، أو مُسَمَّى جماعةٍ أو تجمُّع، ثم الاقتتالُ والدماء بين أقرب الناسِ نسبًا ورَحِمًا وآصرة!! ثم يمضي الجميع ويبقى الحطام شاهدًا على دناءةِ وخِسَّة وحقارةِ النُّفوس التي ذهبت من أجله!!
حبُ الرياسةِ داءٌ يُخلِقُ الدينا ... ويجعَلُ الحبَّ حربًا للمُحبينا
(1) خديعته ومكره
(2) الزهد لابن المبارك 2/ 16