الصفحة 88 من 126

عفوًا فلا وقت لدينا

إنَّ مسيرةَ الجهادِ المضنيةُ الشَّاقة لا وقت لها لتعاطي الجدل أو الاستماع إليه، بل أنَّ طريقها الواسعة لتضيقُ من تحمُّل وحَمْلِ المجادلين اللَّجوجين الذين تَمَّت خسارتهم قبل أن يُتِمُّوا خَسارة عدوهم!!

وهكذا قيل: (إذا رأيتَ الرَّجل لجوجًا مماريًا مُعجبًا برأيه فقد تَمَّت خسارتُه) [1] وهي مقولةٌ يمكن أن نستبطَ منها قاعدة تقول: (كُل مجادلٍ ممارٍ مُعجبٌ برأيه، وما مِن مُعْجَبٍ برأيه إلا كانَ خسرانًا)

فهي الخسارةُ إذًا!! الخسارةُ قبل المعركة وقبل ملاقاة العدو وقبل خوض غمار الحرب!!

خسارةٌ سببها أسلحةٌ عضوية أساسُها اللِّسانُ لا السِنان، والفَمُ لا المِدفع، والكلامُ لا الرَّصاص!! وهي أسلحةٌ يراها البعضُ مؤثرةٌ وناجحةٌ وهي كذلك بشرطِ أنْ تكونَ في الخير والوصولِ إليه مالم تصِل إلى المِراء. أمَّا فيما غير ذلك فهي أسلحةُ دمارٍ شاملٍ تأتي على الأخضرِ من الأخلاقِ والسكينةِ والطمأنينة واللِّينِ والقُربِ والتي يجِب أن تكونَ جميعُها ومضاتٌ تشعُ من قلب المجاهدِ ولسانهِ وسلوكه كُلِّه.

وما يَكثرُ الجدَلُ إلاَّ ويَستصْحِبُ معه برهانًا قاطعًا على فراغِ المُتجادلين وقلَّةِ نفعهم ورداءة صَنْعَتِهم، فليُقِلُّوا إذًا أو يُكثروا.

حاملوا راية، لا أصحابُ دعاية

أيها الفرسان:

إنكم تحملون رايةً لا يصلُح لحاملها أن يلهو مع اللاهين، أو يَغفل مع الغافلين، أو يُجاري الفارغين، فهي رايةٌ ارتبطت بالجُهد والبذل والعَرقِ والدَّم، ورايةٌ تلكَ أبرزُ ملامِحها لا يُمكن أن تسمَح لمن يستظِلُّ بِظلِّها أن يكونَ صاحِب دعايةٍ يجعلُ من الصَّخبِ وتكويمِ الكلماتِ والجُملِ والعبارات سُلَّمًا له نحو المجدِ والعزِّ المزعوميْن، ولا صاحِب هوى كما هو حالُ أهل الجِدال الذَّينَ لم يكُن يومًا جدالهُم انتصارٌ لحقٍ وإنما هو الانتصارُ للهوى .. هوى النَّفس وهوى الرأي، حيثُ يُبخِسونَ الميزان عندما يضعُ

(1) قالها بلال بن سعد رحمه الله. إحياء علوم الدين 3/ 117

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت