الصفحة 89 من 126

الواحِدُ منهم مُتعمِّدًا الحقَّ في كفَّه، وهوى النَّفس والانتصار للرأي في كفةٍ أخرى فلا والله لا يكفُّ بعدها حتَّى ترجح كفَّةُ هواه على الحقِّ أيَّما كان ومن أيِّ كائنٍ كان!!

كما أنَّ هذه الراية والتي يتعاقبُ على شرفِ حملها أجيالٌ من هذه الأمة إلى أن تقوم السَّاعة تأبى أن تكونَ بأيدي مُجادلينَ ممارينَ لأنها بذلكَ تكون خاضعةً لعاملٍ من أهمِ عوامل الهدمِ والتمزيقِ واتباع الأهواء والانقلابِ على أمرِ القيادة وهو ما أخرجَ الخوارج!!

خرجوا على خليفةِ رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بعد أن كفَّروهُ ومن معه من كبار الصحابةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-!! ويظهرُ ذلكَ من خِطابه لهم حيث افتتحَهُ بتذكيرهم بالشرارةِ الأولى التي أوصلتهم إلى نارِ الفتنةِ والبغي والخروج على إجماعِ المسلمين وخليفةِ رسول رب العالمين قائلًا: (أيتها العصابة التي أخرجها عداوةُ المِراء واللَّجاجة، وصدَّها عن الحقِ الهوى، وطَمِعَ بها النَّزق وأصبحتْ في الخطبِ العظيم) [1]

وأصلُ نشأتِ هؤلاءِ هو ذلك الرَّجلُ المماري المُعترضِ على حكمِ أمين من في السَّماء - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يوم بَعَثَ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ إلى رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- من الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ في أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لم تُحَصَّلْ من تُرَابِهَا فَقَسَمَهَا بين أَرْبَعَةِ نَفَرٍ من أصحابِه، فقال رَجُلٌ من أَصْحَابِهِ كنا نَحْنُ أَحَقَّ بهذا من هَؤُلاءِ، فَبَلَغَ ذلك النبي -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- فقال ألا تَأْمَنُونِي وأنا أَمِينُ من في السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟! قال فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الإِزَارِ فقال يا رَسُولَ الله اتَّقِ الله!! (ويالها من كلمةٍ تجمعُ الجِدالَ كلَّهُ حيثُ الاستدراكُ على حكمِ وقِسمةِ النبي- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-) فقال: وَيْلَكَ أو لستُ أَحَقَّ أَهْلِ الأرض أَنْ يَتَّقِيَ الله؟! ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ فقال: خَالِدُ بن الْوَلِيدِ يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فقال: لا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي. قال خَالِدٌ: وَكَمْ من مُصَلٍّ يقول بِلِسَانِهِ ما ليس في قَلْبِهِ فقال -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- إني لم أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عن قُلُوبِ الناس ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ. ثُمَّ نَظَرَ إليه وهو مُقَفٍّ فقال: إنه

(1) الكامل في التاريخ 3/ 220

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت