يَخْرُجُ من ضِئْضِئِ [1] هذا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ الله رَطْبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ من الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ (قال أبو سعيد الخدري) أَظُنُّهُ قال لَئِنْ أَدْرَكْتُهُم لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ" [2] "
إنَّ ذهابي إلى هذا المنحى البعيدِ في تصوير خطورةِ الجِدال يكمنُ من حرصي على نبذِ هذه الصِّفةِ المُزعجةِ المُنفِّرةِ المُدمِّرة من بين صفوفِ المجاهدين ومن سلوكِهم وأخلاقِهم وتعاملاتِهم، فكم نالت هذه الصفة من السَّاحةِ الجهادية وكم اكتوت السَّاحةُ بنارِها حتى وصلت إلى حدٍ كادَت أن تُحرقَ أرضًا لمَّا يَنبُت زرعُها بعد، وذلك حين وقعَ الجِدال بين أبناءِ البيتِ الواحد وارتفعت أصواتهم، ونزغ الشيطانُ بينهم، بل واتبعوا خطواته حتى كادَ أن يُحدثَ -بل أحدثَ أحيانًا- اقتالًا بين بعضِ من خرج لنُصرةِ الدِّين ورفعِ الظُلمِ عن المظلومين حين وقعوا في وحلِ المِراءِ والجِدال!!
نظر ابن عمر رضي الله عنهما إلى الكعبةِ يومًا فقال:"مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكَ" [3] ثمَّ تمعَّن معي كيف تهونُ حرمةَ المُسلمِ عند أخيهِ المُسلم حين يقَعُ كلٌ منهما في الجدال، ويذهبان معه حيثُ يُريدُ هو الذَّهاب بهما!!
ثم إذا كان النبيُّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يدعوا بالرحمةِ لكلِّ مُتسامحٍ في بيعه وشرائه وطلبِه فيقول:"رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إذا بَاعَ وإذا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى" [4] فكيف بالله إذًا يجِبُ أنت تكون العلاقةُ أبناءِ الصَّفِ الواحد والمسيرةِ والواحدة، ممن يحمِلُون السِّلاح ويُنادون أن حيَّ على الكفاح، ويرنون للوصولَ إلى غايةٍ أسمى مطالبها الفوزُ برضى المولى جلَّ وتعالى؟!
ثُمَّ أليس"الْمُسْلِمُ من سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ من لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه" [5] ؟! فأيُ سلامةٍ في الجِدالِ ومن الجِدال؟! وأيُّ هجرةٍ يمكنُ أن تَتَحقق بصدقٍ وكمالٍ وتؤتي أكلها ونتائجها وصاحِبها لم يهجُر كثيرًا مما نهى الله عنه ومنها الجدال والمراء واللَّجاجة؟!
(1) أي من أصله ونسله (لسان العرب)
(2) أصل القصة حديث عند الإمام مسلم برقم 1046
(3) رواه ابن حبان في صحيحه برقم 5736 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط إسناده قوي
(4) رواه البخاري برقم 1970
(5) رواه البخاري برقم 10