إنَّ جيل الجِهادِ جيلُ بناءٍ وعملٍ، والبنَّاءُ المُجدُّ إن اشتغل بكثيرِ الكلامِ مما لا فائدة معه تأخرَ بناءه، ولربما أنجزَ بناءً غير متقننٍ لأنه وقتها كان مشغولًا بالقيل والقال وكثرةِ الجِدال فخلط الجيَّد بالرديئ، ولربما تعمَّد خلطَ الموادِ بما يوافقُ أهواءه لا بما يُصلح بِناءه!! وغيظًا لمن خالفهُ، لا إرضاءً لمن خَلقهُ!! فما أسرع أن ينهار مثل هذا البناء الوهِن على رأسِ قاطنيه وساكنيه.
الجَرَبُ المُعدي
هذا والجِدالُ بين اثنين أو ثلاثة من عامةِ السَّالكين لهذا الطريق، فما بالُك إذًا لو الكان الجدالُ بين القيادةِ أمام القاعدة؟!
إنَّه الوباء الذي ما إن يقع حتى يفشو وينتشرُ انتشار النارِ في الهشيم، ويأتي على كُل بناءٍ تربويٍ غُرس في نفوسِ الأتباع!! فما بعدهُ إلا الإحباطُ في نفوسهم، والاهتزاز في ثقتهم، والارتباكُ في أدائهم، والضعف في التزامهم أمام مسئولياتهم وواجباتهم المناطةُ بهم!!
ويُمكنكَ أن تتصوَّرمعي بيتًا يُصبحُ فيه الأبناء ويُضحون ويُمسون على نزاعٍ وجدالٍ بين الوالدين، كيف تكونُ نفوسهم وكيف يكونُ سلوكهم ومِن ثمَّ نشأتهم؟!
ولعلَّه لا يُدهشكَ الآن حكمُ صفوان بن مِحرز [1] على أصحابِه عندما رآهم يتجادلون فقام عنهم ونفض ثيابه وقال: (إنما أنتم جرب .. إنما أنتم جرب) [2] وأيُّ أثرٍ للجربِ أخطرُ وأعظمُ من أنَّه يعدي؟! وهذا هو ما تنقلهُ القيادةُ من عدوى لأفرادها عندما تقعُ في الجدلِ أمامهم - وهي بالتالي ليست دعوة للجدلِ والمماراةِ من ورائهم، بل تنبيهٌ على خطورةِ الأمر في كلا الحالتين- وهي فتنةٌ لا تحمدُ عقباها، وحماقةٌ لا يُفهم معناها، وكما قال ابن مسعودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (المراء لا تعقل حكمته ولا تؤمن فتنته) [3] . ثم يأتي دورُ أبليس عندما نفتحُ له بأيدينا نافِذةً يتسللُ من خلالها بعدما أيسَ الدخول من الباب فدخل من نافذةِ"وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" [4] فيكونُ التنازُع ومن ثمَّ الخصومة وبعدها القطيعة ولك أن تتخيل قيادةً هذا حال بيتِها وحال أفراده!!
(1) 1 المازني البصري العابد أحد الأعلام حدث عن أبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وحكيم بن حزام وابن عمر- سير أعلام النبلاء 4/ 286
(2) الصمت واللسان 1/ 100
(3) نفس المصدر
(4) رواه مسلم برقم 2812 وتمامه إِنَّ الشَّيْطَانَ قد أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ