الصفحة 92 من 126

وقد نبَّه على ذلك عبد الله بن حسن رحمه الله يوم يقول:"المراء يفسد الصداقة القديمة، ويُحل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة" [1]

لا تركننَّ إلى المِراءِ فإنَّهُ ... سببٌ لكلِّ تنافُرٍ وتشاوسِ [2]

ولكن للبيتِ من يحميه

وهنا تبرُزُ قياداتُ الصِّدقِ والأمانة والإيمان والتي بلغت حقيقته كما يُعرِّفها عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بقوله: (لن يُصيبَ رَجُلٌ حَقيقةَ الإيمانِ حتى يترُكَ المِراء وهو يعلمُ أنَّه صادق) [3]

تبرُزُ في مواقفها وتصرفاتها بعدما هالها ما رأت وسمعت، فتُغَلِّبُ جانب الخوفِ على العمل والطريق والمصلحةِ العامة على جانبِ المصلحة الخاصة، فتدعُ المراء رغم علمِها بالحقِّ الذي معها، وتمضي بهدوءٍ وسكينةٍ تقودُ القافلةَ وتُمسِكُ بدفةِ القيادةِ من أن تنحرفَ، تاركةً صدى صيحاتِ الجِدال يعودُ خاويًا على أصحابِه حيثُ لا خير فيه، فتنال بذلك بيتًا في ربضِ الجنَّة حيث زعيمُه محمدٌ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- فهو:"زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كان مُحِقًّا" [4] . وتنال منزِلةً في نفوس الأفرادِ الذين خرجوا ليسمعُوا خيرًا لا ليسمعوا شرًَّا.

والصَّمت في بابِ الجدالِ حكمةٌ وقليلٌ فاعلُه فقد قالها الحكيمُ يومًا لابنهِ: (يابنيَّ الصمتُ حكمةٌ وقليلٌ فاعلُه) وقال له أيضًا: (يا بُنَيَّ من لا يملكْ لسانَهُ يَندَم ومن يُكْثِرُ المِراء يُشتم) [5]

ولقد شُتِمَ الجهادُ من أعدائه وما زال وهذا أمرٌ طبيعي ..

ما يَضيرُ البحرَ أمسَى زَاخِرًا ... أنْ رَمى فيه غلامٌ بحجَرْ [6]

(1) جامع العلوم والحكم 2/ 99

(2) ديوان عبد الله الخفاجي 154

(3) الزهد للأمام أحمد 1/ 366

(4) رواه أبوداوود وحسنه الألباني

(5) الزهد للأمام أحمد 1/ 373

(6) ديوان الأخطل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت