يقول أبو الحَسَن سريّ -رحمه الله-: (لم أر شيئًا أحبطَ للأعمالِ ولا أفسدَ للقلوب الحانية، ولا أضرَّ بالحكمة، ولا أنجع في هلكة العبدِ، ولا أدومَ للأضرار، ولا أبعد من الاتِّصال، ولا أقرب من المَقْتِ، ولا ألزم لمحجَّةِ العُجْبِ والرِّياءِ والتزيُّنِ، من قلَّةِ معرفةِ العبدِ بنفسهِ ونَظَرِهِ في عيوبِ غيره) [1]
ثمَّ إنَّ هذه صفةٌ بابُها عريضٌ مصراعيهِ، فهو ما إن يُفتح حتى ترى أن تتبُّع عثراتِ الآخرين أبرزُ ما فيه وأظهرُ ما بداخلِه!!
ولا شكَّ أنَّ تتبع العثرات بابُ شرٍ ومدخلُ سوءٍ وطريقٌ لن تكونَ نهايته إلا السُّقوطُ للمُتتبِّعِ بما أرادَ أن يُسقط به غيره، ومن حفر حُفرةً لأخيهِ وقع فيها!!
(قال كعب لابن عباس -رضِيَ اللهُ عنهُما- إنَّ في التوراةِ"مَن حَفَرَ حُفْرَةً لأَخِيْهِ وَقَعَ فِيْهَا"فقال ابن عباس أنا أجِدُ هذا في كتابِ الله:"وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ" [2] [3]
ولهذا كان النبيُّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يُنادي بأولئك المُتظاهرين بإسلامهم مُحذرًا"يا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، ولَمْ يَدْخُلِ الإِيمانُ قَلْبَهُ، لا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ، ولا تُعَيِّرُوهُمْ، ولا تَطْلُبوا عَثَرَاتِهِمْ، فإنهُ مَنْ يَطْلُبْ عَوْرَةَ المُسْلِمِ، يَطْلُبِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَطْلُبِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، يَفْضَحْهُ ولو في جَوْفِ بَيْتِهِ" [4]
لدينا ما يُشْغِلُنا
لو أننا جميعًا كأفرادٍ فطَنَّا لأنفُسِنا، لوجدنا أنَّ فينا من العيوبِ وعلينا من المآخذِ وبنا من التقصيرِ ما يكفي لِشَغْلِنا عن غيرنا!!
وهذا ينطبِق على مستوى الجماعاتِ أيضًا بل وبشكلٍ أكبر وأهم، إذ أنَّ العمل الإسلامي ومنه الجهادي فيه من العيوب والنواقص والأخطاء والمآخذ - وهي طبيعة أي جهد بشري- القَدْر الذي
(1) تاريخ دمشق 22/ 111
(2) فاطر 43
(3) التسهيل لعلوم التنزيل 3/ 160
(4) رواه رواه ابن حبان في صحيحه برقم 5665 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط إسناده قوي