الصفحة 10 من 218

وصلوا إليه فإنه لا عذر بحال للمسلمين، في هذا.

فالطريقة التي وصل بها العلم الغيبي (لو اعتبرناه قسيمًا للعلم التجريبي) إلى الغرب هي طريقة مشوهة في أساسها ومشبوهة، فالتوراة والإنجيل وصولهما من موسى وعيسى - عليهما السلام - إلى اتباعهما غير المباشرين من اليهود والنصارى فيه شك، ما أقصده أن السند الذي نقلت به التوراه ونقل به الانجيل سند مشكوك فيه بل إن التدقيق العلمي الصحيح فيه لا يثير حتى غلبة الظن، وزاد الطين بلة أن محتواهما ذاته أصبح يثير الشك في نفس أي منتصف سواء من جهة مصادمة الفطرة أو مصادمة العقل أضيف إلى ذلك قدسية التفسير الكنسي لهما والذي كان يتناقض بدوره مع الفطرة والعقل، مما أدى في النهاية إلى صدام حقيقي كبير بين العلم الغيبي والعلم التجريبي وتراكمت الأحداث من إجبار العلماء عن الرجوع عما اكتشفوه من حقائق وقتل بعضهم بأمر الكنيسة 2 لمناقضة، ما وصلوا إليه تجريبيًا بما يفترض أن يكون علمًا غيبيًا، وطالما أن هناك مناقضة للفطرة والعقل وكبح لهما فلا بد أن يثور الإنسان، وانتشرت مقولة اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس [1] ، فأصبح العلم الغيبي عندهم بحق بعد ما لحقه من تشوه وتحريف كبير، يصادم العلم التجريبي ووصلوا لنقطة لا بد فيها أن يختاروا بين الاثنين؛ إذ استحال وقتها الجمع بينهما.

وهنا وجد الإنسان الغربي نفسه بين خيارين، علم غيبي مشكوك في نسبته أصلًا للرسل المبلغين عن الله عز وجل وفي نفس الوقت يصادم الفطرة والعقل وعلم تجريبي حقائقه قطعية ملموسة لا تحتاج لسند أصلًا ولا تناقض ظاهر بينهما وبين العقل والفطرة، ولا شك في معرفة نتيجة الاختيار.

ولكن هذا الفصام النكد بين العلم التجريبي والعلم الغيبي ألقى الغرب في تيه كبير من الضلال والغي والمصادمة الأشد للفطرة والعقل:

(1) كما حدث لجاليليو وغيره.

(3) انظر لمزيد من التفاصيل عن أسباب ترك الغرب للدين وثورتهم عليه:"مذاهب فكرية معاصرة"لمحمد قطب: الدين والكنيسة ص 91، 92، العلمانية، ص 445 - 463، الطبعة السابعة 1413 هـ 1993 م، دار الشروق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت