الفصل الثالث:
(لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) في أقوال الفقهاء
كنا قد رأينا أن قلة من المحدثين لم يصححوا نسبة أنه لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة للشرع أما الكثرة الكاثرة منهم قد صححوا هذه النسبة.
على العكس من ذلك، فإلى ساعتي تلك وبعد فترة طويلة من البحث استمرت قرابة السنوات الأربع أو أكثر والاطلاع على كم هائل من كتب الفقه بحثًا عن أقوال الفقهاء في هذه المسألة لم أر فقيهًا واحدًا يشكك في نسبة هذه العبارة للشرع وصلاحيتها للاحتجاج بها، وإن حدث نوع من الاختلاف بينهم في تأويل المقصود بها والأحكام المترتبة عليها، ولعل مرجع ذلك ما سبق أن أشرنا إليه كثيرًا من أن زيادة الثقة سواء كان وصل ما أرسل أو زيادة لفظه في الحديث تواطأ الفقهاء على قبولها حتى إن كانوا من فقهاء المحدثين ومن فصّل منهم- كما ينسب للإمام أحمد وغيره-ورأى أن يحكم على الزيادة في كل حديث حديث، وجد من القرائن والأدلة- التي يعضد بعضها بعضًا والتي أسهبنا فيها كثيرًا في الفصل السابق- ما يجعل نسبة أنه"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"للشرع أمرًا مسلمًا به، ناهيك عنه احتجاج جمهورهم بالحديث المرسل لو تنزلنا وقلنا: إنه مرسل.
وحيث إن ذلك كذلك فسوف اقتصر ما أمكن على ذكر نماذج من أقوالهم - لأن استقصائها يطول- وأركز على أقوال المذاهب الأربعة المتبوعة، وأشير إلى الخلاف في تأويل المعنى والأحكام المترتبة عليه.
أولًا: المذهب الحنفي:
يعد المذهب الحنفي من أكثر المذاهب التي يتعمّد فقهاؤه الإشارة إلى هذا الحكم كثيرًا خاصة في كتبهم المطولة، ولعل مرجع ذلك إلى نص الإمام محمد بن الحسن الشيباني عليه في"السير"