وسط هذا الظلام الدامس الذي تفرضه تلك الظروف وبين هاتيك الأشواك التي تحفُّ هذا الطريق، تكمن صعوبة الكتابة عن النصر، ولكني أجده واجبًا عليّ عسى أن أنير شمعة في نهاية نفق أمتنا المظلم يبصر بها المهتدون السبيل وما كان في كلامي من صواب فمن الله وحده لا شريك له فله الحمد وله الشكر وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.
منذ أن أرسى الإنجليزي فرانسيس بيكون [1] المنهج التجريبي في أوروبا في القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي والغرب أصبح في مجمله لا يؤمن إلا ما يمكن إدراكه بالحواس أو إخضاعه للتجربة الحسية، أما الغيبيات فقد ثاروا عليها سواء كانت دينًا او خرافة وأنكروها أو بالأحرى حجموها داخل نطاق الكنيسة فإذا أردت أن تسمع كلامًا عن الجنة والنار عن بركة الله وتوفيقه .... الخ.
فادخل الكنيسة، لكن بمجرد خروجك منها فلا تخلط الأمور ببعضها ولا تعمل ولا تتخذ قراراتك في حياتك العملية إلا بناء على ما تسمعه أو تراه أو تشمه أو تلمسه أو تقوله أو بناء على ما يؤدي إلى ذلك، ونظرًا لأن الغرب هو الغالب على باقي العالم من وقتها وإلى عصرنا ونظرًا إلى أن المغلوب مولع أبدًا كما يقول ابن خلدون [2] بالاقتداء الغالب فقد انتشر هذا التفكير وهذا المنهج في جميع أرجاء المعمورة، وإن كنا قد نجد بعض العذر للغرب المسيحي فيما
(1) فرانسيس بيكون: ولد عام 1561 م وكان فيلسوفا وسياسيا في نفس الوقت وتدرج في المناصب حتى تولى رئاسة وزراء بريطانيا في عهد جيمس الأول سنة 1618 م، ألف العديد من الكتب الفلسفية منها"الإصلاح الكبير"و"فكر ونظر"و"أطلانتيس الجديدة"اتهم بالرشوة ودخل السجن لفترة قصيرة، مات سنة 1626 م عن 65 عاما.
(2) مقدمة ابن خلدون: تأليف عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مكتبة الأسرة، جـ 2، ص 505.
ملاحظة منهجية: لا أتعمد الترجمة للعلم في أول ذكر له، إنما أترجم له عندما أجد الحاجة ماسة للترجمة له لإعطاء قوله قدره الذي يستحقه.