فهرس الكتاب
فعسى ألا أكون تجاسرت إذا قلت أن رواية حديثنا عن الزهري مرة مرسلًا ومرة مسندًا لهو أقوى في الدلالة على صحته مما لو روى مسندًا فقط- والله أعلم.
خلاصة القول في حديثنا:
إن رواته من أوثق الرواة بل من أئمة الرواية احتج بهم أصحاب الكتب الستة البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، ورووه موصولًا وثبت لقاؤهم جميعًا لبعضهم بل وطول صحبتهم وكثرة روايتهم، بل والسند نفسه بهيئته التي وصل بها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود كما هو أكثر من مرة في البخاري وغيره.
ووصول الحديث إلينا مرة موصولًا ومرة مرسلًا عن الزهري ليس بعلة عند أكثر العلماء سواء على القول بأن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا أو عند من يفصل القول في حديث حديث، وانه في خصوص حديثنا قد تكون روايته موصولًا ومرسلًا أقوى في إثباته، ناهيك عن وروده من طريق آخر موصولًا، وإن كان حديثنا لم يصححه أبو داود وأبو حاتم [1] ، فقد صحح الاحتجاج به كثرة كاثرة من المحدثين أمثال أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وابن القطان والضياء المقدسي والطحاوي وغيرهم كثير، وهم أئمة المحدثين من المذاهب الأربعة المعروفة، وكذلك من خارج المذاهب الأربعة كثير أمثال الشوكاني وغيره.
ثم لو تنزلنا وفرضنا أن حديثنا لا يصح إلا مرسلًا، فالجمهور من الفقهاء على وجوب العمل بالمرسل، ولكن كما سبق وذكرنا في الفصل الماضي في القاعدة الرابعة أن هدفنا الأساسي هو البحث عن صحة نسبة"لن يغلب اثني عشر ألفًا من قلة"للشرع، وليس صحة حديثنا هذا وإن كان هذا الحديث أقوى ما نستدل به على صحة هذه العبارة وهو كاف بمفرده في إثارة غلبة الظن التي يبنى عليها العمل شرعًا.
ولكن الأمر لا يقتصر على هذا فقط بل هناك حديث آخر ورد من عدة طرق وإن كان دون
(1) لو تنزلنا وقلنا إن أبا حاتم يضعفه، وإلا فهذا أمر فيه نظر كبير كما أثبتنا ذلك في حاشية ص 109 من هذا البحث.