فهرس الكتاب
قال تعالى:"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"الأعراف 33.
وهذه الآية مرتبة- كما قال العلماء- بالأشد فالأشد من الإثم.
فهل يسوغ أن نظن بالزهري ذلك؟ ولو فرضنا أنه روى مرة عن ضعيف أو مجهول وأرسل الرواية ثم اتضح عندما استكشف انه روى عن ضعيف، فإن الضعيف لا يكون ضعيفًا في كل أحواله، بل قد تعرض له عوارض تجعله الغاية في الصحة فمن المحتمل بل من المؤكد أن الزهري لو صح أنه روى عنه فيكون في تلك الحال، مثل أن يكون ضعيفًا إذا حدّث من حفظه وثبتًا وحافظًا إذا حدث من كتابه، أو يكون ضعيفًا إذا حدّث بعد أن يطول زمن تحمله فلقاه الزهري بعد أن تحمل مباشرة وحدّثه، أو يعرف الزهري أنه ضعيف إلا إذا أقسم بالله على صحة ما يرويه فيستحلفه الزهري ويحلف له ... وغير ذلك من الأسباب ما لا يحصى، ويحرص الزهري على عدم ذكرها حتى لا يوهن من أمر الحديث الذي تأكد هو من صحته حتى جرؤ أن يرويه هكذا مباشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإنه إذا أسنده عن عبيد الله بن عبد الله مثلًا وأخطأ عبيد الله فالعهدة على عبيد الله، أما إذا أرسله فخطأ عبيد الله يحمله الزهري، فمع إمامته في الدين لا يسوغ أن نظن به غير شدة تيقنه من صحة الحديث.
وهذا هو المتحقق في حديثنا فإن سماع الزهري له من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة- والذي لازمه الزهري طويلًا، مع صدق عبيد الله وإمامته وقوة ضبطه- كما سبق وترجمنا له [1] ورواية عبيد الله له عن ابن عباس الذي لازمه اثني عشر سنة، تجعل الزهري على يقين من صحة نسبة الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وربما يكون قد سمعه من طرق أخرى غير عبيد الله وابن عباس- وهو ما سيظهر بإذن الله- عندما نتحدث عن الروايات الأخرى للحديث.
(1) انظر ص 75، من هذا المبحث.