الصفحة 117 من 218

القرون الثلاثة المثنى عليها"علق شيخ الإسلام قائلًا:"ما ذكره القاضي وابن عقيل أن مرسل أهل عصرنا مقبول كغيره، ليس مذهب أحمد، فإنا نجزم أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثي وقته وعلمائهم، بل يطالبهم بالإسناد، نعم المجتهدون في الحديث الذين يعرفون صحيحه من سقيمه، إذا قال أحدهم: ثبت هذا أو صح هذا، أو قال أحدهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، واحتج بذلك، فهذا نعم، كتعليق البخاري المجزوم به ..." [1] اهـ."

وأيًّا كان معنى قول أحمد وأصحابه في الاحتجاج بالمرسل فهو ينطبق على الزهري، فإنه من القرون الثلاثة الأول بل هو من التابعين وإن كان الأكثر على أنه من صغار التابعين كما قال ذلك ابن حجر وغيره [2] ، وهو من المجتهدين- بلا شك- في الحديث الذين يعرفون صحيحه من سقيمه، وقد قال في حديثنا المرسل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد أطلت الحديث على مذهب الحنابلة في الحديث المرسل حتى يفيدنا هذا في تخريج مذهبهم في العمل بحديثنا - إن تنزلنا وقلنا بإرساله- عند الحديث عن أقوال الفقهاء في الحديث في الفصل القادم بحول الله وقوته، ونرجع للكلام عن حديث الزهري المرسل ولنراجع ما كتبناه من قبل في ترجمة الزهري [3] والتي أطلت فيها لاستخدامه هنا، ولنعيد القراءة كرة أخرى ثم نتدبر هل يمكن للإمام الحافظ الحجة الفقيه التقي الورع المجمع بين الأمة على فضله وصلاحه وتقواه أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر حديثًا فيه حكم شرعي في القتال والجهاد تراق به دماء وقد تهلك به أمة فعندما يقاتل اثنا عشر ألفًا من المسلمين مائة ألف من المشركين ولا يُمكّنون من الفرار عملًا بالحديث الذي روى الزهري، ثم يكون قد رواه عن كذّاب أو وضاع أو متروك أو ضعيف أو حتى من ليس بقوي وإن كان ثبتًا، فإن لم يكن هذا قولًا على الله ورسوله بلا علم، وتحريم لما أحل الله فماذا يكون؟!!

بل ولو بحثنا عن مسقطات العدالة وموجبات الفسق فهل سنجد أكبر من هذا؟

(1) المسودة لآل تيمية جـ 1، ص 501 - 502.

(2) النكت على ابن الصلاح لابن حجر، جـ 1، ص 187 - 188.

(3) راجع ص 74 من هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت