أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفًا مثلك لم يسعك التخلف وإلا فأنت في سعة من التخلف؟ وكان السائل له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن عبد الله بن عمر، وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن، والذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفًا فهو أصل في هذا الباب وإن كثر عدد المشركين، فغير جائز ان يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتمعت كلمتهم"وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمته" [1] اهـ"
وتقتصر على ما سبق حتى لا يطول المقام من أقوال الحنفية - وإلا فأقوالهم في هذه المسألة من الكثرة بمكان وكلها متماثلة ونخلص إلى عدة نتائج.
الأولى: أن الحنفية ليس عندهم شك في نسبة لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة للشرع.
الثانية: أنهم يرون أن معناها أن عدد المسلمين لو بلغ اثني عشر ألفًا لا يحل لهم الفرار مهما زاد عدد الكفار أضعافًا مضاعفة.
الثالثة: أن هذا الأمر - كما أشار الجصاص- ليس فيه خلاف بين فقهاء الحنفية.
الرابعة: أنه لا يشترط العدة مع العدد إذا بلغو اثني عشر الفًا كما هو واضح من كلام السرخسي، وذلك لن الفقهاء عمومًا مختلفون في حكم فرار الواحد من اثنين لو كان الاثنان أقوى منه عدة بل في حكم فرار الواحد من الواحد لو كان الآخر أكثر منه عدة، وبالرغم من أن السرخسي يرجح الرأي القائل بفرار الواحد المسلم من اثنين من الأعداء الأكثر عدة منه بل ومن الواحد، كما نقلنا من كلامه حين قال:".... فأما من لا سلاح له فلا بأس أن يفر ممن معه سلاح، وكذلك لا بأس أن يفر ممن يرمي إذا لم يكن معه آلة الرمي .... [2] اهـ."
إلا أنه لم يشترط ذلك ولم يشر إليه في حالة إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا.
(1) أحكام القرآن: تأليف الإمام حجة الإسلام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص المتوفى سنة 307 هـ، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، جـ 30، ص 63 - 64.
(2) انظر ص 126 من هذا البحث.