ويقول السرخسي- وهو من كبار أئمة المذهب- أيضًا:" فأما من لا سلاح له فلا بأس أن يفر ممن معه سلاح، وكذلك لا بأس أن يفر ممن يرمي إذا لم يكن معه آلة رمي .... وعلى هذا فلا بأس أي يفر الواحد من الثلاثة، إلا أن يكون المسلمون اثني عشر ألفًا كلمتهم واحدة، فحينئذ لا يجوز لهم أن يفروا من العدو وإن كثروا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"ومن كان غالبًا فليس له ان يفر"اهـ [1]
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي عند تفسير قوله تعالى"ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة"الأنفال 16. والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار، فإذا زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى:"ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ..."الأنفال 16
وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفًا، لا يجوز لهم ان ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال وهو أن يصبروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم من نحو خروج من مضيق إلى فسحة أو من سعة إلى مضيق أو يكمنوا لعدوهم ونحو ذلك مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب، او متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلون معهم، فإذا بلغوا اثني عشر ألفًا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم ولم يذكر خلافًا بين أصحابنا (الحنفية) فيه، واحتج بحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفًا من قلة ولن يغلب"، وفي بعضها ما غلب قوم يبلغون اثنى عشر ألفًا إذا اجتمعت كلمتهم.
وذكر الطحاوي أن مالكًا (الإمام) سئل فقيل له:
(1) المصدر السابق، ص 89.