وهنا يطيقون ما يفعله أنصار المنهج التجريبي حين يواجهون نتائج لا يمكن تفسيرها بهذا المنهج [1] .
فإما أن يرجعوا الأمر إلى سبب تجريبي مهما ظهر تعسف الرجوع وإما أن يقولوا هناك سبب تجريبي لا نعرفه وسنعرفه فيما بعد، وإما أن يشككوا في النتيجة أصلاَ.
وعند التطبيق على مسألتنا، فإما أن يكابروا كل حقائق التاريخ ويقولوا: إن المسلمين كانت عدتهم أقوى بكثير من عدة أعدائهم ولهذا انتصروا على عدوهم، أو كانت قدراتهم التخطيطية أعلى أو المعنويات أو أي سبب آخر المهم ألا يكون سببًا غيبيًا وهو تأييد الله عز وجل لهم.
فإن أعجزتهم حقائق التاريخ الداحضة عن هذا التأويل (وحيث إن التعليل الآخر يرد الأمر إلى سبب تجريبي لم يكتشف بعد لا ينفع هنا) يلجؤوا إلى تكذيب الوقائع، فإما أن المعركة لم تحدث أصلًا- فإن استحال هذا القول- فيقولوا: حدثت ولكن المسلمين كان عددهم أضعافًا مضاعفة عدد عدوهم، وهكذا.
تهافت الشبه المبنية على هذا المنهج تغني عن الرد عليها، ولكن المصيبة أن يتأثر بها بعض المسلمين المخلصين- نحسبهم كذلك- فيشيرون إليها في كتاباتهم مما يؤدي إلى تعظيم هذه الشبه وتقويتها- وإن كنت أظن أن مبررهم في ذلك- حث المسلمين على الأخذ بالأسباب المادية، ولكن هذا ليس مبررًا مقبولًا، واقوى ما يحث المسلمين على الأخذ بالأسباب المادية هو قوله تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ..."الأنفال: 60.
ولهذا وجدت أنه من المتحتم أن أتناول في هذه الدراسة الرد على هذه الشبهات باختصار.
قالوا -وهي الشبهة الأولى-:
إن المسلمين في عهد الخلافة الراشدة انتصروا على فارس والروم بل وسحقوهم وأخذوا بلادهم نظرًا لجمود التكتيك الحربي لهاتين الامبراطورتين مقابل مرونته عند المسلمين، وخفة حركة
(1) انظر ص 14 من هذا البحث.