وتقدم الصفوف جاعلًا من نفسه سدًّا أمام الاعداء وليضرب المثل لجنده في الاستبسال، لكن أصابه سهم من الأعداء فسقط شهيدًا في ميدان القتال، وقد ادى استشهاده إلى زيادة الاضطراب والخلل في صفوف المقاتلين، ولكنهم مع ذلك ظلوا يقاتلون حتى حل الظلام ... عاد المسلمون إلى معسكرهم، وقد فقدوا قائدهم البطل فانسحبوا في جنح الظلام راجعين إلى سبتمائية مخلفين جرحاهم وأمتعتهم، وهذه المعركة تذكرنا بمعركة أحد، حيث أدى انشغال بعض المسلمين بالغنائم إلى ضياع النصر الذي كاد أن يتحقق لهم في بدايتها، وتكون هذه عبرة أخرى من العبر الكثيرة التي يحفل بها تاريخنا الإسلامي، وهي أن المسلمين إذا تخلوا عن أهدافهم النبيلة ومثلهم العليا وانشغلوا بأمر الدنيا حلت بهم الهزائم والنكبات [1] "اهـ."
وإن ظهر في هذا المثال أن جيش العدو كان أكثر من عدد جيش الإسلام، إلا أني ذكرته هنا؛ لأن جيش الإسلام فاق عدده الاثني عشر ألف مقاتل بكثير وكادوا ينتصرون في بداية المعركة ولكن هزموا بسبب الغنائم وليس لقلتهم كما هو واضح.
المثال الثالث: هزيمة ملك الترك الأعظم خاقان سنة 199 هـ:
كان قائد جيش الإسلام هو أسد بن عبد الله القسري وكان عدوهم الترك (المشركين وقتها) ، ويرأسهم رجل يسمى خاقان وهو ملك الترك الأعظم، وكان عدد جيش الإسلام سبعة آلاف فقط وعدد جيش الترك خمسون ألفًا."ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر، حتى خاف جيش أسد ألا يصلوا صلاة العيد، فما صلوها إلا على وجل، ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ، حتى انقضى الشتاء، فلما كان يوم عيد الأضحى، خطب أسد الناس واستشارهم في الذهاب إلى مرو أو في لقاء خاقان، أو في التحصن ببلخ، فمنهم من أشار بالتحصن، ومنهم من أشار بملتقاه والتوكل على الله، فوافق ذلك رأى أسد الأسد، فقصد بجيشه نحو خاقان، وصلى بالناس ركعتين أطال فيها، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف وهو يقول: نصرتم إن شاء الله ثم سار بمن معه من المسلمين، فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان، فقتل المسلمون منهم خلقًا وأسروا"
(1) العالم الإسلامي في العصر الأموي، أ. د. عبد الشافي، ص 280 - 281.