الصفحة 182 من 218

ودعوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني وزحف إلى الروم، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، وبكى وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل، وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم مالا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأسر ملك الروم [1] "اهـ."

وقد أطلت في ذكر هذه المعركة حتى يعلم الذين يؤمنون بالغيب كيف يمكن لجيش الإسلام أن يغلب من يزيد على عدده بأكثر من ثلاثة عشر ضعفًا وما هو سبب هذا النصر، ونلاحظ طبعًا أن جيش الإسلام مكون من سلاجقة.

المثال الثاني: حملة كربوغا وسقوط أنطاكيا (491 هـ، 1098 م) :

وكربوغا هو قائد جيش الإسلام التركي الذي كان يسعى لتحرير أنطاكيا من أيدي الصليبين"وهكذا اجتمع الجيش (المسلم) السلجوقي الكبير في مرج دابق، ومنها أخذ يزحف على أنطاكية عن طريق نهر العاصي ثم لم تلبث أن ظهرت طلائع الجيش السلجوقي أمام أنطاكية، وقد حاول السلاجقة اقتحام أنطاكية عن طريق قلعتها التي كانت لا تزال باقية في أيدي المسلمين، ... ، ولكن كربوغا فشل في تحقيق هذه الخطة، وعندئذ لجأ إلى تجويع الصليبين داخل المدينة بإحكام الحصار عليها .... وهكذا ظل الصليبيون محصورين داخل أسوار أنطاكية، قرابة ثلاثة أسابيع، فساءت حالتهم وبدأ بعض زعمائهم في الفرار، .... ، وليس معنى سوء حال الصليبين داخل أنطاكية أن المسلمين تمتعوا بجبهة متماسكة، بل على العكس ظل المسلمون في ذلك الدور الحاسم يعانون خللًا واضحًا في صفوفهم مما عاد عليهم بالخسارة ... بل لقد بلغ الأمر بالمسلمين أمام أنطاكية أن انقسموا على أنفسهم، فظهر الشقاق بين أتراك كربوغا من"

(1) الكامل، ابن الأثير، ج 8، ص 361، 362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت