في العدد أو أقل، وقد ذكرنا أن ابن رشد وغيره نقلوا أن الجمهور لا يشترطون هذا التناسب ويقررون أن العبرة بالعدد فقط، وذلك لأن الله تعالى يقول:".. فإن يكن منكم مائة صابروا يغلبوا مائتين وإن يكن منكم الف يغلبوا ألفين بإذن الله ..."الانفال:66 وفي الآية التي قبلها - التي نسخت أو خففت (على قولين) - يقول سبحانه:" إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا ..."الأنفال 65.
وذكر العدد بهذه الصورة والتأكيد عليه دون الإشارة إلى العدة مع الوضع في الاعتبار أن سورة الأنفال - الوارد فيها الآيتان نزلت بعد غزوة بدر الكبرى والتي كان مع المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر وعدد المشركين تسعمائة وخمسين [1] ، بالإضافة إلى ما سبق بدر الكبرى من سرايا والتي كانت في أغلبها عبارة عن تفوق ساحق للمشركين من حيث العدد والعدة، والتفوق في العدة يكون أكبر في نسبته من التفوق في العدد، بمعنى أن في بدر مثلًا كانت النسبة بين أعداد المسلمين والكفار واحدًا إلى ثلاثة، أما النسبة في العدة- فيما يخص الخيل بالذات (وهي أقوى آلة قتال وقتها) [2] ، حتى إن الشرع جعل للفارس ثلاثة أسهم من الغنيمة مقابل سهم واحد للراجل على رأي أحمد ومالك والشافعي [3] ، أو سهمين للفارس وسهم للراجل على رأي أبي حنيفة [4] ، كانت النسبة واحدًا إلى مائة، فالشاهد أن التفاوت الشديد في العدة كان حاضرًا في معظم حروب جيش الإسلام وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم حضورًا أكثر بكثير من التفاوت في العدد ومع ذلك نزلت الآيات ولم يذكر فيها إلا العدد، بل ونص عليه، فلم يقل مثلًا"مائة صابرة يغلبوا ضعفهم"ولكن قال"يغلبوا مائتين"، وهذا مما يوضح لنا انحياز الجمهور لاعتبار العدد دون العدة. قال ابن حبيب: (من كبار أئمة المالكية) :"والقول"
(1) البداية والنهاية، ابن كثير، ج 2، ص 303.
(2) كما يشبهها الأستاذ أحمد عادل كمال، في الطريق إلى المدائن، بالدبابات والعربات المجنزرة في وقتنا.
(3) الفقه على المذاهب الأربعة، يحيى بن محمد بن هبيرة البغدادي الحنبلي، ج 2، ص 326، طبعة دار الحرمين، بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1420 هـ،2000 م.
(4) الاختيار لتعليل المختار، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، طبعة مقررة على الصف الثالث الثانوي في المعاهد الأزهرية، ص 326.