معركة ويتكرر الأمر هكذا؟
ثم لنفرض أنه سيدخل معركة واحدة ضد الروم الذين يجمعون بسهولة شديدة أكثر من مئتي ألف مقاتل كما حدث في معارك كثيرة في عهد الصحابة- فلو فرض وقتل من جيش الإسلام ستة آلاف مثلًا في المعركة قبل أن ينتصر سيكون انتصاره ساحقًا، لكن إذا رجع الجيش بالستة آلاف الباقية فمن يضمن ألا يلقى الجيش جيشًا آخر للروم أو للغساسنة أو غيرهم قوامه مئة ألف أو حتى عشرين ألفًا فلا يكون معه قيد حتمية النصر وإن كان من الممكن أيضًا أن ينصره الله تعالى؟
رابعًا: وهو خاص بهذه الغزوة، وربما كانت هذه الغزوة قبل أن يوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة، والزمان كان ما زال زمن وحي وتشريع وراوي حديثنا هو ابن عباس رضي الله عنه وكان من صغار الصحابة.
خامسًا: بعد كل ما سبق من الاحتمالات التي تجعل الاحتجاج بعدد جيش الإسلام في غزوة تبوك (لو تنزلنا وصححنا العدد الوارد) على بطلان الأدلة المستندة إليها نظرية النصر أمرًا غير مقبول، يبقى أن نفترض أن دليل العدد هذا كان سالمًا من كل ما سبق من معارضات (وهذا لا يشك أحد أنه تنزل بعد تنزل) نقول- هب أن هذا الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارض قوله، ولم يمكن الجمع بينهما بحال فأيهما يقدم؟ يقول ابن عثيمين:"فلا شك أننا نغلب جانب القول" [1]
و يقول المجد عبد السلام بن تيمية:"قال ابن عقيل: إذا تعارض القول والفعل منه في البيان، فالقول أولى وهو أحد الوجهين للشافعية والثاني لهم: الفعل أولى وقال بعض الأصوليين: هما سواء ..." [2] اهـ. وقرر الزركشي الشافعي أن قول الجمهور أن القول يقدم [3] ، هذا كله لو
(1) شرح نظم الورقات، لابن عثيمين، ص 115.
(2) المسودة، آل تيمية، ط 1، ص 297.
(3) راجع تشنيف المسامع للزركشي