وإن كان العلم بذلك الخبر لا يحصل لمن لم يشاركه في ذلك، ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة فيه المتبحرون في معرفته قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار، وإن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها فضلًا عن العلم [1] ، بصدقها، ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم قد يفيده من كثرة المخبرين تارة، ومن صفات المخبرين تارة أخرى، ومن نفس الأخبار أخرى.
ومن نفس إدراك المخبر له أخرى، ومن الأمر المخبر به أخرى، فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم، هذا هو الحق الذي لا ريب فيه" [2] . اهـ."
ويقول رحمه الله أيضًا: والمرسل إذا روي من جهات مختلفة لا سيما ممن له عناية بهذا الأمر وتتبع له كان كالمسند، بل بعض ما يشتهر عند أهل المغازي ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد" [3] . اهـ."
القاعدة الثانية:"وجوب العمل شرعًا بغلبة الظن":
من المتقرر في علم أصول الفقه أن المعرفة الشرعية بل والبشرية عمومًا تنقسم أربعة أقسام. إما علم أو ظن أو شك أو وهم، وفي ذلك يقول العمريطي في نظم الورقات للإمام الجويني:
وعلمنا معرفة المعلوم ... إن طابقت لوصفه المحتوم ...
والظن تجويز امرئ أمرين ... مرجحًا لأحد الأمرين ...
فالراجح المذكور ظنًا يسمى ... والطرف المرجوح يسمى وهمًا
(1) العلم هنا، في كلام ابن تيمية والفقهاء مقصود به العلم اليقيني الذي لا يحتمل الشك، والظن المقصود به غلبة الظن، أما الشك فهو تساوي الاحتمالين، والوهم هو الطرف المرجوح في غلبة الظن.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن محمد بن القاسم وساعده ابنه محمد، طبعة سنة 1418 هـ، 1997، جـ 2، ص 257.
(3) الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم، خرج أحاديثه أحمد بن شعبان بن أحمد، مكتبة الصفا، الطبعة الأولى، 1427 هـ، 2006 م، ص 104.