وبناء على ذلك قد تتضافر أدلة على إجابة هذا السؤال تحديدًا وإن كان في هذه الأدلة ما يتعرض لمسائل اخرى لا يتعلق بها موضوع بحثنا وتكون هذه الدلة على انفرادها لا تساعد على إثباتها وحتى أوضح ما أقصده، فمن المعروف أن الحديث المتواتر ينقسم إلى نوعين: تواتر لفظي وتواتر معنوي، أما اللفظي فهو أن يتواتر الحديث بلفظه مثل"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
أما المعنوي فهو: أن يتواتر معنى معين مأخوذًا من جملة احاديث فمثلًا رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء، فلم يرد حديث متواتر يشير إلى ذلك، ولكن وردت عدة أحاديث صحيحة في أحكام ومواقف شتى بألفاظ مختلفة تشير إلى هذا الأمر، فالعلماء من جملة هذه الأحاديث يتواتر عندهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء، وإن كان كل حديث من هذه الأحاديث على انفراد لا يفيدنا هذا الحكم متواترًا.
نفس الأمر هنا فقد ترد إلينا عدة أحاديث وآثار وقرائن تشير إلى إجابة السؤال الذي نبحث عنه وهذه الأحاديث والآثار على انفرادها ربما لا تفيد أو لا تبلغ بنا الدرجة التي نريدها في إجابة السؤال لكن النظر إليها مجتمعة في خصوص مسألتنا تحديدًا قد يكون له حكم آخر. وهذه القاعدة الأخيرة ليست إلا تطبيقًا للقاعدة الأولى التي ذكرتها وهي أن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق.
خلاصة:
ما أريد تقريره في هذا الفصل، هو أن تضافر الأدلة واجتماعها له من القوة ما ليس للافتراق، وأننا مطالبون شرعًا بالعمل بغلبة الظن حتى لو كانت غلبة الظن هذه ليست صحيحة في حقيقة الأمر، إلا ان عملنا بها هو المطلوب منا شرعاَ وهو صحيح قطعًا، وأن الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم التي تؤدي لغلبة الظن هي الصحيحة والصحيحة لغيرها والحسنة والحسنة لغيرها. ثم هدفنا فيما بقي من هذا الباب هو أن نصل إلى إجابة شرعية قطعية أو بغلبة الظن على سؤال: هل يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة؟ والأحكام المترتبة على هذه الإجابة.