فهرس الكتاب
ولذلك رأينا الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى - بعد أن ساق جملة من النقولات التي تمدح العزلة وتحسنها استدرك وأفرد في كتابه العزلة بابًا سماه: «باب في لزوم القصد في حالتي العزلة والخلطة» قال فيه: «قد انتهى منا الكلام في أمر العزلة إلى حيث شرطنا أن نبلغه، وأوردنا فيها من الأخبار ما خفنا أن نكون قد حسَّنا معه الجفاء من حيث أردنا الاحتراز منه، وليس إلى هذا أجرينا، ولا إياه أردنا؛ فإن الإغراق في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين السيئتين. وقد عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإغراق في عبادة الخالق - عز وعلا - والحمل على النفس منها ما يؤودها ويكلها؛ فما ظنك بما دونها من باب التخلق والتكلف؟» (6) . ا. هـ.
تنبيه:
إن القول بأن العزلة التامة للناس فيها مجانبة للوسطية والعدل لا يعني أنها لا تُمدح في بعض الأحوال أو الأمكنة أو الأزمنة، بل قد تكون في بعض الأحوال هي الموقف الحق الوسط العدل.
وأُمَثِّل لذلك بالأحوال التالية:
الحالة الأولى: عند فشو المعاصي وانتشارها انتشارًا واسعًا يتعذر علي بعض الناس حينها القدرة على الإنكار ولا يوجد المعاون، ولا يوجد المكان الصالح الذي يهاجر إليه، فإنه يشرع والحالة هذه لبعض الأفراد دون بعض العزلة؛ وذلك حين لا يستطيع الفرد الصبر على رؤيتها، فيتعجل بإنكارها بصورة