فهرس الكتاب
اقتضت حكمته أن أخرجك من بطن أُمك لا تعلم شيئًا، بل غبيًّا لا عقل ولا فهم ولا علم، وذلك من رحمته بك، فإنك على ضعفك لا تحتمل العقل والفهم والمعرفة، بل كنت تتمزّق وتتصدّع، بل جعل ذلك ينتقل فيك بالتدريج شيئًا فشيئًا؛ فلا يصادفك ذلك وهلةً واحدًة، بل يصادفك يسيرًا يسيرًا حتى يتكامل فيك. واعتبر ذلك بأن الطفل إذا سُبِيَ صغيرًا من بلده ومن بين أبويه ولا عقل له فإنه لا يؤلمه ذلك، وكلما كان أقرب إلى العقل كان أشقّ عليه وأصعب، حتى إذا كان عاقلًا فلا تراه إلاّ كالواله الحيران. ثم لو ولدت عاقلًا فهيمًا كحالك في كبرك تنغّصت عليك حياتك أعظم تنغيص، وتنكّدت أعظم تنكيد؛ لأنك ترى نفسك محمولًا رضيعًا معصّبًا بالخِرَق، مربّطًا بالقمط، مسجونًا في المهد عاجزًا ضعيفًا عمّا يحاوله الكبير؛ فكيف كان يكون عيشك مع تعلّقك التامّ في هذه الحالة؟ ثم لم يكن يوجد لك من الحلاوة واللطافة والوقع في القلب والرحمة بك ما يوجد للمولود الطفل، بل تكون أنكد خلق الله وأثقلهم وأعنتهم وأكثرهم فضولًا، وكان دخولك هذا العالم وأنت غبي لا تعقل شيئًا، ولا تعلم ما فيه أهله محض الحكمة والرحمة بك والتدبير، فتلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد فيك العقل والمعرفة شيئًا فشيئًا حتى تألف الأشياء وتتمرّن عليها، وتخرج من التأمّل لها والحيرة فيها وتستقبلها بحُسْن التصرّف فيها والتدبير لها والإتقان لها. وفي ذلك وجوه أُخَر من الحكمة غير ما ذكرناه. فمَن هذا الذي هو قيّم عليك بالمرصاد يرصدك حتى يوافيك بكل شيء من المنافع والآراب والآلات في وقت حاجتك، لا يقدّمها عن وقتها، ولا يؤخرها عنه؟» (7) .