فهرس الكتاب
وقال أيضًا رحمه الله: «ثم تأمّل حكمة الله عزّ وجلّ في الحفظ والنسيان الذي خصّ به نوع الإنسان، وما له فيهما من الحِكَم، وما للعبد فيهما من المصالح؛ فإنه لولا القوة الحافِظة التي خصّ بها لدخل عليه الخلل في أموره كلها، ولم يعرف ما له وما عليه، ولا ما أخذ ولا ما أعطى ولا ما سمع ورأى، ولا ما قال ولا ما قيل له، ولا ذكر مَن أحسن إليه ولا مَن أساء إليه ولا مَن عامله ولا مَن نفعه فيقرب منه، ولا مَن ضرّه فينأى عنه، ثم كان لا يهتدي إلى الطريق الذي سلكه أول مرة ولو سلكه مرارًا، ولا يعرف علمًا ولو درسه عمره، ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع أن يعتبر شيئًا على ما مضى، بل كان خليقًا أن ينسلخ من الإنسانية أصلًا؛ فتأمّل عظيم المنفعة عليك في هذه الخِلال وموقع الواحدة منها فضلًا عن جميعهنّ. ومن أعجب النِّعَم عليه نعمة النسيان؛ فإنه لولا النسيان لَمَا سَلاَ شيئًا، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزّى عن مصيبة، ولا مات له حزن، ولا بطل له حقل، ولا تمتّع بشيء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات، ولا رجا غفلة عدو ولا نقمة من حاسد؛ فتأمّل نعمة الله في الحفظ والنسيان مع اختلافهما وتضادّهما، وجعله في كل واحد منهما ضربًا من المصلحة» (8) .
وقال أيضًا في موضع آخر: «ثم تأمّل بعد ذلك أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هذه الأزمنة والفصول، وما فيها من المصالح والحكم؛ إذ لو كان الزمان كله فصلًا واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه، فلو كان صيفًا كله لفاتت مصالح الشتاء، ولو كان شتاءً لفاتت مصالح الصيف، وكذلك لو كان ربيعًا كله أو خريفًا كله؛ ففي الشتاء تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض