فهرس الكتاب
والجبال، فتتولّد مواد الثمار وغيرها وتبرد الظواهر ويستكثف فيه الهواء؛ فيحصل السّحاب والمطر والثلج والبرد الذي به حياة الأرض وأهلها واشتداد أبدان الحيوان وقوتها، وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف ما حلّلته حرارة الصيف من الأبدان. وفي الربيع تتحرّك الطبائع وتظهر المواد المتولّدة في الشتاء فيظهر النبات، ويتنوّر الشجر بالزهر، ويتحرك الحيوان للتناسل. وفي الصيف يحتدّ الهواء ويسخن جدًّا، فتنضج الثمار وتنحلّ فضلات الأبدان والأخلاط التي انعقدت في الشتاء، وتغور البرودة وتهرب إلى الأجواف ولهذا تبرد العيون والآبار، ولا تهضم المعدة الطعام التي كانت تهضمه في الشتاء من الأطعمة الغليظة لأنها كانت تهضمها بالحرارة التي سكنت في البطون، فلما جاء الصيف خرجت الحرارة إلى ظاهر الجسد وغارت البرودة فيه. فإذا جاء الخريف اعتدل الزمان وصفا الهواء وبرد فانكسر ذلك السَّموم، وجعله الله بحكمته برزخًا بين سموم الصيف وبرد الشتاء لئلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحرّ الشديد إلى البرد الشديد، فيجد أذاه ويعظم ضرره، فإذا انتقل إليه بتدرج وترتب لم يصعب عليه؛ فإنه عند كل جزء يستعدّ لقبول ما هو أشدّ منه حتى تأتي جمرة البرد بعد استعداد وقبول؛ حكمة بالغة وآية باهرة. وكذلك الربيع برزخ بين الشتاء والصيف يتنقل فيه الحيوان من برد هذا إلى حرّ هذا بتدرج وترتيب فتبارك الله ربّ العالمين وأحسن الخالقين» (9) .
وقال: «ومن آياته الباهرة هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحسّ اللمس، عند هبوبه يدرك جسمه، ولا يرى شخصه؛ فهو يجري بين السماء والأرض والطير محلقة فيه سابحة