فهرس الكتاب
بأجنحتها في أمواجه كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحر، فإذا شاء سبحانه وتعالى حرّكه بحركة الرحمة فجعله رخاءً ورحمةً وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسّحاب يلقحه بحمل الماء كما يلقح الذّكر الأُنثى بالحمل. وتسمى رياح الرحمة المبشّرات والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقح. ورياح العذاب العاصف والقاصف - وهما في البحر - والعقيم والصرصر وهما في البرّ.
وإن شاء حرّكه بحركة العذاب فجعله عقيمًا، وأودعه عذابًا أليمًا، وجعله نقمًة على من يشاء من عباده فيجعله صرصرًا ونحسًا وعاتيًا ومفسِدًا لما يمرّ عليه.
وهي مختلفة في مهابها؛ فمنها صِبًا ودبور وجنوب وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف؛ فريح ليّنة رطبة تغذّي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجفّفه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تشدّه وتصلبه، وأخرى تُوهنه وتُضعفه. ولهذا يخبر سبحانه عن رياح الرحمة بصيغة الجمع لاختلاف منافعها وما يحدث منها؛ فريح تُثير السّحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذّي النبات» (10) .
«فإذا تأمّلت السّحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جوً صافٍ لا كدورة فيه، وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء، وهو مع لينه ورخاوته حامِل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى أن يأذن له ربّه وخالقه في إرسال ما معه من الماء؛ فيرسله ويُنزله منه مقطّعًا بالقطرات كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته، فيرشّ السّحاب الماء على الأرض رشًّا، ويرسله قطرات مفصّلة لا تختلط قطرة منها