فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 274

بأخرى، ولا يتقدّم متأخّرها، ولا يتأخّر متقدّمها، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتُمزَج بها، بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة» (11) .

«ثم تأمّل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه من الكمون والظهور؛ فإنها لو كانت ظاهرة أبدًا كالماء والهواء كانت تحرق العالم وتنتشر ويعظم الضرر بها والمفسدة، ولو كانت كامنة لا تظهر أبدًا لفاتت المصالح المترتبة على وجودها؛ فاقتضت حكمة العزيز العليم أن جعلها مخزونة في الأجسام يُخرِجها ويُبقيها الرجل عند حاجته إليها، فيُمسكها ويحبسها بمادة يجعلها فيها من الحطب ونحوه، فلا يزال حابسها ما احتاج إلى بقائها فإذا استغنى عنها وترك حبسها بالمادة خبت بإذن ربّها وفاطِرها فسقطت المؤنة والمضرّة ببقائها. فسبحان مَن سخّرها وأنشأها على تقدير محكم عجيب اجتمع فيه الاستمتاع والانتفاع والسلامة من الضرر؛ قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة:71) ، إلى قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة:74) فسبحان ربنا العظيم لقد تعرّف إلينا بآياته وشفانا ببيّناته وأغنانا بها عن دلالات العالمين فأخبر سبحانه أنه جعلها تذكرة بنار الآخرة، فنستجير منها، ونهرب إليه منها، ومتاعًا للمقوين وهم المسافرون النازلون بالقواء، والقواء هي الأرض الخالية وهم أحوج إلى الانتفاع بالنار للإضاءة والطبخ والخبز والتدفئة والأنس وغير ذلك» (12) .

«ثم تأمّل جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدّر بأن يكون طائرًا في الجو خفّف جسمه، وأدمج خلقته، واقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن مخرج البول والزبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت