فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 274

على حد واحد يجمعهما جميعًا، ثم خُلق ذا جؤجؤ محدود ليسهل عليه اختراق الهواء كيف توجّه فيه كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة ليشقّ الماء بسرعة وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسى جسمه كله الريش ليتداخله الهواء فيحمله. ولمّا قدّر أن يكون طعامه اللحم والحبّ يبلعه بلعًا بلا مضغ نقّص من خلقه الأسنان وخلق له منقارًا صلبًا يتناول به طعامه فلا يتفسّخ من لقط الحبّ ولا يتعقّف من نهش اللحم. ولمّا عَدِمَ الأسنان، وكان يزدرد الحبّ صحيحًا واللحم عريضًا أُعين بفضل حرارة في الجوف تطحن الحبّ وتطبخ اللحم فاستغنى عن المضغ، والذي يدلّك على قوّة الحرارة التي أُعين بها أنك ترى عجم الزبيب وأمثاله يخرج من بطن الإنسان صحيحًا وينطبخ في جوف الطائر حتى لا يُرَى له أثر. ثم اقتضت الحكمة أن جُعل يبيض بيضًا ولا يلد ولادة، لئلا يثقل عن الطيران؛ فإنه لو كان مما يحمل ويمكث حمله في جوفه حتى يستحكم ويثقل لأثقله وعاقه عن النهوض والطيران. وتأمّل الحكمة في كون الطائر المُرسَل السائح في الجوّ يُلهَم صبر نفسه أسبوعًا أو أُسبوعين باختياره قاعدًا على بيضه حاضنًا له، ويحتمل مشقّة الحبس؛ ثم إذا خرج فراخه تحمّل مشقّة الكَسْب وجَمْع الحبّ في حوصلته، وبزق فراخه وليس بذي رَوِيّة ولا فكرة في عاقبة أمره ولا يؤمل في فراخه ما يؤمل الإنسان في ولده من العَوْن والرفد وبقاء الذّكر. فهذا من فعله يشهد بأنه معطوف على فراخه لعلّة لا يعلمها هو ولا يفكر فيها من دوام النسل وبقائه» (13) .

«ثم تأمّل الحكمة في شجرة اليقطين والبّطيخ كيف لمّا اقتضت الحكمة أن يكون حملها ثمارًا كبارًا جعل نباته منبسطًا على الأرض، إذ لو انتصب قائمًا كما ينتصب الزرع لضعفت قوته عن حمل هذه الثمار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت