فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 274

والمقصود أن الأمة الوسط ما استحقت هذا الوصف - الذي هو العدل والقيام بالحق والميزان المستقيم - إلا لكونها امتثلت لما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله عز وجل الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ومن مقتضياتها ما نراه في النفس والآفاق والأوامر والنواهي من الحِكَم العظيمة والمصالح العامة.

ففي ذكر حكمته سبحانه في خلقه وتقديره، وما يشتمل عليه من الإتقان والتوازن والعدل زيادة إيمان ويقين وبينة على أن الأمة المتبعة لما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هي الأمة الوسط الخيار التي تقوم بالعدل وبالحق؛ فكما أن خلق الله عز وجل وتقديره هو الحق والوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، فكذلك الملتزم بأوامر الخالق عز وجل وشرعه هو من الأمة الوسط؛ وذلك للزومه شرع الله عز وجل الوسط العدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، وصدق الله العظيم: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: من الآية 54) ؛ فالكل صادر منه سبحانه، فالخلق خلقه والأمر أمره والشرع شرعه، وما صدر عن الله عز وجل فهو الحق والعدل والخير وفيه الحكمة والمصلحة.

أما ما سوى الله عز وجل من المخلوقين الضعاف الجهلة الظلمة، محدودي الزمان والمكان والعقل، فلا يصدر منهم إلا ما يناسب صفاتهم من الجهل والظلم والهوى، فيا عجبًا ممن يؤثر شرع المخلوق الضعيف وقوانينه ونظمه الجائرة على شرع الله عز وجل المبرأ من النقص والجهل والظلم، ومن أجل ذلك نرى أن الدول والمجتمعات التي التزمت بغير ما أنزل الله تعالى وحكمت أهواءها قد جاءت أقوالها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت