فهرس الكتاب
الذي اشتراهما من المؤمنين فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس وتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) ، لما كثر المدّعون للمحبة؛ طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حرقة الشجي، فتنوع المدّعون للشهود فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلى ببينة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (ال عمران 31) فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، وقيل: لا تقبل العدالة الا بتزكية: (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) فتأخر أكثر المدّعين للمحبة وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وعقد التبابع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد البيع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرا وشأنًا ليس لغيرها من السلع؛ فرأوا من الخسران البيّن والغُبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذاتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسنتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان؛ رضى واختيارا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلّموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران 169) لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.
وتأمل قصة جابر بن عبد الله وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره ثم وفّاه الثمن وزاده ورد عليه البعير، وكان أبوه قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد، فذكره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره (أن الله أحياه وكلّمه كفاحا وقال: يا عبدي تَمَنَّ عليَّ)
فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يُحيط به علم الخلائق؛ فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفّق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبة، وأعاض عليه أجلّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله؛ وجمع له بين الثمن والمُثمّن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه.