متغلب منتصر على ثلاث، على خصمه الذي يستدرجه للإساءة، وعلى نفسه التي تأمره وتحثه على الانتصار لها أو رد الإساءة بمثلها أو بأكثر منها، وعلى الشيطان الذي يؤزّه إلى الإساءة أزا، ولذلك كان هو الشديد الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)
أما من أنفذ غيظه وانتصر لنفسه فإنما انتصر على واحد وهو خصمه مع احتمال الإساءة والزيادة وتعدي حدود الله فأين المنتصر على ثلاث من المنتصر على واحد! ... ولذلك روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ كَظَمَ غَيظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ) والجمع بين الكظم والعفو هنا في هذه الآيات مقابل في سورة الشورى بالجمع بين الصبر والمغفرة قال الله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشوى 43)
واعلم أن الإحسان بالبذل من حقوق النفس والسماحة بالحقوق والتنازل عن الانتصار للنفس أعظم من بذل المال ولذلك كان من عزم الامور، بل زاد الله تعالى فيه لام التوكيد على (من) في الآية (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لأنها في ذكر من عفى وصفح عن حقه وكظم غيظه فزاد العفو على الصبر، بينما لم يأت بهذه اللام التوكيدية حين ذكر العفو وحده بدون المغفرة في سورة لقمان فقال (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)
فيقابل زائد الإحسان بالإحسان الزاد والثناء المؤكد فالجزاء من جنس العمل.
وقال ابن القيم في مدارج السالكين وهو يعدد مراتب الجود: (الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء، وهذه مرتبة شريفة من مراتبه وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه وأشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة وهذا جود الفتوة قال تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} (المائدة 45) وفي هذا الجود قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشوى 40) فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية: مقام العدل وأذن فيه ومقام الفضل وندب إليه ومقام الظلم وحرمه).
3 -وتقريرا لأهمية هذه الصفة فقد كرر ربنا عز وجل ذكر محبته للمحسنين -جعلنا الله منهم - في الموضع نفسه فقال في آل عمران بعد الآيات السابقة بقليل وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَاكَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ