فهرس الكتاب
الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يحِبّ ُالْمُحْسِنِينَ (148) فالإحسان المحبوب هنا والذي قابله الله تعالى بثواب الدنيا وحسن الثواب في الآخرة مقابل إحسانهم؛ عام في كل الأعمال ولكنه في هذه الآيات جاء في سياق الإحسان في الجهاد والقتال بالثبات فيه، وعدم الوهن لما يصيبهم في سبيل الله وعدم الضعف أو الاستكانة، بل الصبر والاستغفار من الذنوب ومن الإسراف في الأمور وسؤال الله تعالى التثبيت والنصر على القوم الكافرين، هذا مسلك وسبيل المحسنين في الجهاد والقتال في سبيل الله، وفيه استعلاؤهم على الأذى وعدم تضررهم واستكانتهم أو ضعفهم لكل ما يصيبهم في سبيل الله من ضرر أو قرح أو عداوة الناس وتألبهم عليهم ومكرهم بهم.
فلا يردهم ذلك عن نصرة دين الله، ولا يصرفهم مكر الأعداء وكيدهم عن الإحسان في الجهاد في سبيل الله، وعدم تجاوز حدود الله فيه أو الاعتداء بارتكاب المخالفات الشرعية كقتل من لا يستحق القتل أو ارتكاب محظورات نهى الله عنها فكل ذلك لا يبرره أذى الكفار ولا عداوتهم، بل نطيع الله بقتالهم بما شرع الله تعالى لنا، وقد وسّع الله علينا في ذلك فلا حاجة لنا إلى تعدي الحدود التي حدها سبحانه .. وكما قال بعض السلف: (ما عاملت من عصا الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه)
فهذه الآية والآيتان قبلها تبين أن الإحسان يكون بالإنفاق في سبيل الله من الأموال، ويكون طاعة لله ببذل حقوق النفس والسماحة فيها لأجل مصلحة الدين، وإن كلا الإنفاقين من صفات المحسنين الذين يحبهم الله تعالى ..
بل من ذلك أيضا بذل النفس في ذات الله والصبر على أذى الأعداء وحربهم وقتالهم في سبيل الله وعدم الوهن أو الاستكانة أو الضعف والارتداد تحت ضغط حربهم وأذاهم، فهذا أيضا من أعظم البذل والتضحية التي هي من الإحسان الذي يحب الله تعالى أهله.
4 -وأما في قوله تعالى في سياق الكلام عن بني اسرائيل: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ موَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ولَاتَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة 13) فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا في أول الهجرة بالصفح عن اساءات اليهود والمنافقين والإعراض عنهم بل والعفو عن حقوقه الشخصية لمصلحة الإسلام وأهله، فكان الصفح والعفو والسماحة في مثل هذا أيضا ولو مع الكفار إذا كانت مصلحة الإسلام تقتضيه من صفات المحسنين التي يحبها الله ويحب أهلها وقدوتهم فيها هو النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن في ذلك تأليف للقلوب وجذب للنفوس إلى الإسلام والإقبال عليه.