فهرس الكتاب
وهذا فيما كان من حقوق النفس، أما حق الشرع فليس لأحد أن يتنازل عنه أبدا إلا بعذر الإستضعاف، ومتى ما قدر على الانتصار لله والدين ولنبيه فلا يتنازل عنها ... ولذلك ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنه ما نيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء قط فينتقم لنفسه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل.
وعليه فما جاء في هذه الآية من جنس ما تقدم من الإحسان بمعنى الصفح والتنازل عن حقوق النفس لمصلحة الاسلام والمسلمين أو لتأليف القلوب أو نحوها من المصالح الشرعية المعلومة أو الراجحة؛ وهذا معلوم معروف في سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الشرعية وقد فصّله شيخ الاسلام في كتابه النفيس الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد بين شيخ الاسلام فيه نقلا عن بعض العلماء: (أن الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن القتال بأن يكون في وقت أو مكان لا يتمكن منه) أ ه
وهذا قد يجب إذا ترتبت على تركه مفسده عظيمه، وقد يستجيب ولا يجيب إذا كان دون ذلك.
5 -وأما قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة 93) فإنما أنزلت ردا على من قال بعد تحريم الخمر في من قتل قبل تحريمها (قتل فلان وفلان وهي في بطونهم) كأنهم خافوا عليهم أن يكون أثّر ذلك في إيمانهم وإسلامهم؛ فبين الله تعالى أن من أحسن واتقى وانتهى إلى ما أُمِر؛ فليس عليه جناح فيما كان قبل النهي أو الأمر أو نحوه ممن يعذرهم الله بالأعذار الشرعية. فهؤلاء يحبهم الله تعالى ومن آثار هذه المحبة ان يوسّع عليهم ويعذرهم ويرحمهم ويكرمهم فلا يؤاخذهم بمثل هذا.
* ومن الآيات الخمس نستخلص أن الإحسان أنواع؛ وأن الغالب في معناه هو البذل، ولكن ذلك ليس وقفا على بذل المال وحده، بل البذل بالمال في السراء والضراء وأيضا بذل الحقوق الشخصية والعفو فيها والسماحة مع الخلق في حظوظ النفس والتنازل عنها بالصفح.
* ومن أعظم ذلك بذل النفس كلها في الجهاد في سبيل الله فإن ذلك من أعظم الإحسان، فقد جاءت أكثر الآيات التي تخبر بحب الله للمحسنين في سياق الجهاد أو القتال في سبيل الله.