عليك يراك ويعلم سرك وعلانيتك بل هو سبحانه يعلم بما في صدور العالمين؛ وسواء عنده من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب في النهار.
فإن وفقت إلى تحقيق هذا المقام فقد قاربت وسهل عليك بتوفيق الله وتسهيله عليه؛ -إذ لا سهل إلا ما جعله سبحانه سهلا- الانتقال إلى المقام الأعلى وهو عبادة الله كأنك تراه، وهذا كما تقدم هو المقام الأكمل ويُنال بالتسديد إن وفق الله.
وهو الأكمل والأعلى للعبادة لأن الذي يعبد الله كأنه يراه يعبد عباده طلب ورغبه، والذي يعبد باستحضار المراقبة واطلاع الله عليه يعبده عبادة خوف وهرب لأنه يخاف ممن يراه وهو لا يراه.
* ومن ثمرات الإحسان:
1 -الثمره الأولى التي نحن أصلا في صددها وهي محبة الله للعبد المتصف بهذه الصفة؛ وما أعلاها وأغلاها من ثمرة؛ فليرجع إلى أول الكتاب ليتذكر بعض آثارها وثمارها الجليلة.
2 -الإستمساك بعروة النجاة الوثقى التي لا انفصام لها ومن وفق لذلك فقد نجا وفاز قال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (لقمان 22)
3 -ومن ثمرات الإحسان التمتع برؤية الله تعالى يوم القيامة وفي الجنة وما يترتب عليه ويقتضيه من نضارة الوجوه والنعيم المقيم ورفع الدرجات قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس 26)
وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم فسّر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة، ولذلك قلنا في النظر:
وجزى الإحسان حسني ... فالجزا مما ولينا
والزيادة رؤيا عين ... ناظروه فناضرونا
وهذا التفسير للزيادة متناسب جدا مع ما جاء في تعريف الإحسان في حديث جبريل (أن تعبد الله كأنك تراه ... )
فالإحسان أن يعبد المؤمن ربه في كافة أعماله على وجه الحضور وهو شهيد كأنه يراه، فكان جزاؤه من جنس عمله أن يراه عيانا في الآخرة، وعكسه ما خبر الله به عن الكفار في الآخرة (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فإعراضهم عن الله وعن ذكره وشرعه في الدنيا؛ ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وحجبت عنهم معرفة الله وخشيته ومحبته ومراقبته وتقواه في السر والعلن، وحرموا من