فهرس الكتاب
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) } (آل عمران)
فتأمل كيف عظّم الله شأن الآمرين بالقسط، فقرن جريمة قتلهم بجريمة قتل الأنبياء، لأنهم ورثة الأنبياء القائمين بوظيفتهم من الدعوة والأمر والنهي وسياسة العباد بالهدى الرباني، والتواصي بالحق والصبر؛ فكان قاتلهم لأجل دعوتهم وتوحيدهم ودينهم من جنس قتل الأنبياء أويشبهه، ولا يفعله إلا من تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة؛ ولا يكون يكون حبوط الأعمال كلها في الدنيا والآخرة إلا للكفار، فقتل المؤمن كبيرة عظيمة جاء فيها الوعيد الشديد، لكنّ قتله لإيمانه ودعوته وتوحيده وأمره بالقسط الذي هو التوحيد ومكمّلاته من الشرائع والحكم بها؛ ذلك من أكبر الكبائر التي هي الكفر المخلّد في النار.
واعلم أن الآيات الثلاث التي ذكرت محبة الله للمقسطين قد جاءت في العدل مع العباد مسلمهم وكافرهم؛ وفي هذا تأكيد وتقرير من الله عز وجل على أهمية العدل مع الناس حتى لا يكتفي المسلم بالقسط في حقوق الله تعالى ظنا منه أن ذلك كاف وإن فرط وظلم في حقوق العباد، فجاءت الآيات الثلاث تؤكد على هذا الأمر وآيتين منها قد جاءتا في القسط بين الكفار أو معهم حتى لا يتهاون المسلم في ذلك كونهم كفارا وظنا منه أن القسط واجب فقط مع المسلمين.
1 -فقال تعالى في سورة المائدة في سياق الكلام عن أهل الكتاب: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) } أي احكم بينهم بالحق والعدل وإن كانوا هم ظلمة خارجين عن طريق العدل؛ فلا تقرّهم على ظلمهم ولا تُمشّي لهم أحكامهم الظالمة ما داموا تحت سلطانك، وقد روى أبو داود وأحمد وغيرهم عن ابن عباس في سبب نزولها حديثا في أمر الدية بين اليهود (كانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قَتل رجل من قريظة رجلا من النضير قُتِل به، وإذا قَتل رجلٌ من النضير رجلا من بني قريظة ودي بمائة وسق من التمر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قَتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} وفي رواية أخرى عنه عند أحمد أيضا أنهم كانوا (ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت