فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 118

فهذا المدح للمتطهرين ومحبة الله لهم نزل في أهل مسجد قباء إذ كانوا يستنجون بالماء وجاء ذلك مرفوعا فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نزلت هذه الآية في أهل قباء(فيه رجال يحبون أن يتطهّروا والله يحب المطهرين)

وهذا وإن كان هو والذي قبله مدح للطهارة الحسية؛ إلا أنه قد استدل بها غير واحد من السلف على التطهر من الذنوب والشرك من باب أولى، فهو مندرج تحت عموم لفظة المتطهرين؛ فكما أن النجاسة نوعان حسية ومعنوية؛ فكذلك الطهارة. واعظم الطهارة على الإطلاق هي التوحيد؛ إذ هو تطهّر واستبراء من أعظم نجاسة على الإطلاق ألا وهي الشرك، فالآيتان تدلان بدلالة النص على التطهر من النجاسات الحسية، ودلالة الظاهر أوسع فتدخل فيها جميع النجاسات المعنوية.

أما أعظم الأرجاس التي يجب على المسلم التطهّر منها فهي الشرك وأهله فالشرك أعظم الأنجاس، وأهله أنجاس كذلك؛ قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (التوبة 28)

فإنها تدخل بدلالة الأولى لأنه لا يصح عمل مع الشرك لا طهارة ولا وضوء ولا صلاة ولا غيرها ومعلوم أن كلمة التوحيد (لا إله الا الله) نفي وإثبات، والإثبات ويسميه البعض التحلية: وهو تفريد الله بالألوهية، والنفي وهو التخلية: وهو البراءة من الشرك أهله؛ فهما شطران، فالطهارة من الشرك وأهله على هذا شطر التوحيد أو الإيمان، وبهذا فسر بعض أهل العلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان) رواه مسلم عن أبي مالك الاشعري.

وفسره آخرون بترك الذنوب عموما كما في قوله تعالى عن قوم لوط أنهم قالوا عنه وعن أهله: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} وقد ورد هذا الوصف في موضعين من القرآن أيضا في الأعراف 82 وفي النمل 56

وقال من فسّر الطهور بمعنى ترك الذنوب وذلك أن الإيمان نوعان فعل وترك، فنصفه أو شطره فعل المأمورات ونصفه أو شطره ترك المحظورات، ولا شك ان التوحيد داخل في المأمورات بل هو أعظمها والشرك داخل في المحظورات بل هو أعظمها فالكلام مؤتلف كله لا مختلف.

ولا يشكل على ذلك رواية من روى الحديث بلفظ الوضوء ولا داعي لقصره على الوضوء وحده ما دامت المعاني المشمولة في اللفظ الواسع مقبولة بل أصيلة فالكل مطلوب مقصود التطهر من النجاسات الحسية والأخرى المعنوية والله تعالى أعلم؛ فمطلوب من المسلم أن يتطهّر من النجاسات الحسية في بدنه وجماعه وطعامه واستجماره وثيابه ومحله ومصلاه وغير ذلك. وعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله وتر يحب الوت فإذا استجمرت فأوتر) رواه ابو يعلى في مسنده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت