فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 118

يدي الرب ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب؛ فذلك أنفع للعبد وخير له من تَكثّره بالطاعة والاعتداد بها والمِنّة على الله والخلق بها.

فما أقرب العاصي في تلك الحال من رحمة الله، وما أقرب المُدِل [1] من مقت الله. *فذنبٌ تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تُدِلّ بها عليه.

وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبكي وأنت مدل.

-وأكثر الناس المتنزّهين عن الكبائر الحسية والقاذورات في كبائر مثلها أو أعظم منها، ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها، فعندهم من الازراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعتهم ومنتهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم وتشريفهم اقتضاء يعرفونه من قلوبهم وأمثال ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك؛ فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يقع فيها ليكسر بها نفسه ويعرفه قدره ويذله بها فهي رحمة في حقه، كما أنه تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وأقبل بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم، وإلا فكلاهما على خطر والمرحوم من رحمة الله.

*وقد ورد حبُّ الله للتوابين في موضع وأحد في كتابه جوار حبه للمتطهرين كما تقدم في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى ايَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة 222)

-وقد قدّمها الله تعالى في الذكر على التطهّر؛ مع أن التطهر ورد حبُه لأهله مرتين؛ وذلك إبرازًا لأهمية التوبة وتأكيد المحبة للتوابين؛ حتى لا يستخف بها أو يستهان بها لكونها وردت مرة واحدة.

-أما قرنها مع المتطهرين في سياق ذكر الطهارة الحسية، فالتوبة تنقيه وتزكيه وتطهير للباطن؛ ففي القرن بينهما دعوة إلى تطهير الظاهر والباطن.

*وفي صحيح مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أيها الناس توبوا إلي الله، فوالله إني لأتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن

(1) (المدل يعني المنان)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت