فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 118

وإذا قال: يا رب أنا ظلمت وأنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت؛ يقول الله عز وجل: وأنا قدّرت عليك وقضيت وكتبت، وأنا أغفر لك. وإذا عمل حسنه فقال: يا رب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعمت؛ يقول الله عز وجل: وأنا أعنتك وأنا وفقتك. وإذا قال: يا رب أنت أعنتني ووفقتني وأنت مننت علي، يقول الله: وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها) اهـ. (1\ 215)

فالإعتذار بالقدر يتنافى مع التوبة ويضادها لأنه يتضمن تنزيه الجاني نفسه بدلا من اعترافه بأنه العاصي الظالم الجاهل.

-الادلال بالتوبة أو المن بها على الله فمثل هذه التوبة تحتاج إلى توبة تطهرها وتصححها وذلك لأن توبته إنما حصلت له بمنة الله ومشيئته ولو خلي ونفسه لم تسمح له بها البتة؛ فإن ظنّ أو اعتقد أنه إنما نالها بشطارته، وغفل عن منّة الله عليه فقد جاء بجناية جديدة عرضت له تستحق توبة أخرى.

قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُم ْلِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُم ْصَادِقِينَ} (الحجرات 17)

فذلك من رؤية العبد فعله واحتجابه عن ربه؛ فهو علّة موجبة للتوبة، أما رؤيته له واقعا بمنة الله وفضله وحوله وقوته وإعانته فهذا هو كمال التوبة.

-الطمأنينة إلى توبته والوثوق من نفسه أن قد تاب توبة نصوحا أو كأنه قد أعطي منشورا بالأمان: فالتوبة حق عليه ولا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه؛ فالصادق يخاف أنه ما وفّاها حقها أو أنه لم يُخلصها لمولاه بل تاب خوفا على سمعته وعرضه أو ماله ومنصبه ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفا من الله وتعظيما له ولحرماته وإجلاله وخشية من سقوط المنزلة عنده؛ وحرصا على أن يكون ممن يحبهم ويحبونه. ومن علامات هذه العلل والآفات: جمود العين واستمرار الغفلة وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالًا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة.

-استقلال الذنب واستصغاره: فاستصغار العبد للمعصية عين الجرأة على الله وجهل بقدر من عصاه وبقدر حقه، فالصادق من صغرت حسناته في عينه وعظمت ذنوبه عنده، وكُلّما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله؛ وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله؛ وسيئاتك بالعكس. فاستقلال واستصغار السيئات آفة تنافي التوبة وتعكرها وتقطع طريقها وتباعد بينك وبين الحبيب بكسبك وجرأتك على معصيته ثم تشتكي من طردك وبعدك واسوداد قلبك، وما ظلمك بل أنت من ظلم نفسك وأقصيتها عنه وحرمتها منه وشردت بذنوبك.

تطوي المراحل عن حبيبك دائبا ... وتظل تبكيه بدمع ساجم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت