فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 118

كذبتك نفسك لست من أحبابه ... تشكو البعاد وأنت عين الظالم

-الإصرار على الذنب بعقد القلب على ارتكابه متى ظفر به، وإن كان قد تاب من مقارفته في الواقعة المعينة: فهذا ينافي كمال التوبة؛ وقد علق الله قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار فقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران 135) وقد ذكر ابن القيم في المدارج الاختلاف في هل يُبطل مثل هذا أو معاودة الذنب هل يبطل التوبة ومذاهب الناس في ذلك؛ وبيّن أن التوبة عبادة وهي عبادات تتعدد بتعدد الذنوب، فكل ذنب له توبة تخصه، والتوبة المتقدمة حسنه ومعاودة الذنب سيئة، فلا تُبطل معاودته هذه الحسنه، وأهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوبا لله مبغوضا له من وجهين؛ أيضا بل يكون فيه إيمان ونفاق؛ وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر؛ فيكون من أهله كما قال تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} (آل عمران 167) وقال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (يوسف 106) أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، وإن كان معه تصديق لرسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم من الإيمان بالرسل وباليوم الاخر، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر؛ وشركهم قسمان: شرك خفي، وشرك جلي، فالخفي قد يُغفر، وأما الجلي فلا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار، ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة لما قام بهم من السببين.

فإذا ثبت هذا فمعاود الذنب مبغوض لله من جهة معاودة الذنب؛ محبوب له من جهة توبته وحسناته السابقة، فيرتب الله سبحانه على كل سبب أثره ومسببه بالعدل والحكمة ولا يظلم مثال ذرة، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت 46)

هذا كلام ابن القيم ونقلته كله وإن كان أوسع من المقصود لفائدته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت