فهذا وأمثاله من آثار وموجبات وعلامات التوبة المقبولة؛ فمن لم يجد ذلك في قلبه؛ فليَتَّهم توبته، وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، وما أسهلها باللسان والدعوى، وماعالج الصادقون شيئا أشد عليهم من التوبة الخالصة الصادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-أن يبقى شاكرا لله على أن هداه ووفقه للتوبة؛ متحدثا ولو مع نفسه بنعمة الله عليه أن وجّهه وسدّده إلى التوبة، ويسر له سبيلها وهداه إلى صراطها؛ كما هي طريقة الأنبياء بإرجاعهم الفضل والمنه لصاحبها سبحانه تعالى. ... قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة 37) وقد أوضح لنا صيغة هذه الكلمات التي هداه الله إليها وعلّمه إياها فكانت سبيلا للتوبة فقال في الأعراف: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) }
وهكذا علّمَ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقولوا:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا*** ولا تصدّقنا ولا صلّينا
-أن يبقى ذاكر ذنبه، مستغفرا منه؛ جاعلا منه دافعا للطاعة والتوبة والإخبات والذل والانكسار لله؛ قالوا: ولهذا نقش داود الخطيئة في كفِّه وكان ينظر إليها ويبكي؛ وقالوا: وكُلّما قسى قلبُك وتهت عن الطريق؛ فارجع إلى تذكر ذنبك والبكاء عليه تجد الطريق. أي طريق الانكسار والعبودية لله عز وجل.
واختار ابن القيم تفصيلا في هذا فقال: والصواب التفصيل في هذه المسألة؛ فإذا أحسَّ العبد من نفسه حال الصفا غيما ًمن الدعوى وشيئا من العجب ونسيان المنة وغفلة عن حقيقة فقره ونقصه فذكر الذنب أنفع له، وإن كان في حال مشاهدته مِنَّة الله عليه وكمال افتقاره إليه وعدم استغنائه عنه مثقال ذرة؛ وخالط قلبه حال المحبة والفرح بالله والأنس به والشوق إلى لقائه وشهود سعة رحمته وحلمه وعفوه وقد أشرقت عليه أنوار الأسماء والصفات؛ فنسيان الجناية في هذه الحال أولى وأنفع إن كان ذكرها تُفسد عليه ذلك، وتواريه وتنزله من علو إلى سفل؛ وبين الحالين كما بين السماء والأرض، وهذا من حسد الشيطان أراد أن يحطّه عن ذلك المقام الكريم، ويخرجه من ميادين المحبة والشوق إلى وحشة الإساءة وتعكير الجناية .. وفي هذا قالوا: (ذكر الجفا في وقت الصفا جفا؛ فلكل وقت ومقام عبودية تليق به) [1] .
(1) باختصار من مدارج السالكين (1\ 233 - 234)