فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 118

*التوبة من تأخير التوبة:

المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير؛ وكيف يأمن أن يفجأه الموت ولم يتب بعد.

فإذا تاب من الذنب، بقي عليه توبة أخرى وهي توبة من تأخير التوبة، وقل أن تخطر هذه ببال التائب بل أكثر من يتوب من ذنب يظن أنه لم يبق عليه شيء آخر وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة.

ولا يُنجي من هذه إلا توبة عامة، مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم؛ فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنا من العلم فإنه عاص بترك العلم والعمل؛ فالمعصية في حقه أشد، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في صلاته: (اللهم اغفر لي خطيئتي وعمدي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت)

*توبة المحبين الصادقين:

ومقام هذه التوبة أرفع وأخص، لا يعرفه إلا الخواص المحبون الذين يَستقلِّون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم؛ فلا يرونها قط إلا بعين النقص والإزراء عليها، ويرون شأن محبوبهم أعظم وقدره أعلى؛ فهم أشد شيء احتقارا ً لأعمالهم وأنفسهم؛ وإزراء عليها.

وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم؛ تابوا إليه من ذلك توبة أرباب الكبائر منها.

فالتوبة لا تفارقهم أبدا وتوبتهم لون وتوبة غيرهم لون (وفوق كل ذي علم عليم) وكلما ازدادوا حبًا له ازدادوا معرفة بحقه وشهودا لتقصيرهم؛ فعظمت لذلك توبتهم، ولذلك كان خوفهم أشد وإزراؤهم على أنفسهم أعظم، وما يتوب منه هؤلاء، قد يكون من كبار حسنات غيرهم. وفي مِثْل هذا قيل (حسنات الأبرار سيئات المقربين) [1]

(1) ينسب إلى ابي سعيد الخراز ونسبه الزركشي للجنيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت