فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 118

والإحسان والبر؛ وتعرّض لإغضابه وإسخاطه فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه، وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان وصار مع عدوه.

وبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته منهمكا في موافقة عدوه؛ إذ تذكّر بر سيده وجوده وكرمه؛ وعلم أنه لا بد له منه، وأنَّ مصيره إليه وإن لم يقدم عليه بنفسه؛ قدم به عليه على أسوأ الأحوال؛ ففر إلى سيده حتى وصل إلى بابه فوضع خده على عتبته متذللا متضرعا باكيا آسفا، وعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب رضا عنه، واستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فكيف يكون فرح سيده به وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعا واختيارا، وراجع ما يُحبه سيده منه برضاه .... فهي فرحة إحسان وبر ولطف بعبده؛ لا فرحه محتاج إلى توبة عبده منتفع بها.

فهذه نبذه يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده الذي هو أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها.

وقد حرم من هذا أهل التعطيل والتمثيل؛ فلا يحل لهم أن يجدوا روائح هذا الأمر ونَفَسَه؛ لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم؛ كما هو مفسد لحاسة الذوق، فلا يذوق طعم الإيمان، ولا يجد ريحه، والمحروم كل المحروم من عرض عليه الغنى والخير فلم يقبله، فلا مانع لما أعطى الله، ولا مُعطي لما منع، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

وهذا تفسير للفرح الإلهي من حيث تعلُّقه بالإحسان والجود والبر.

أما إن لاحظت تعلقه بإلهيته، وكونه معبودا؛ فذلك مشهدٌ أجلّ وأعظم؛ وإنما يشهده خواص المحبين؛ فالله خَلَقَ الخلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته؛ وهذا غاية الخلق والأمر؛ ونفيه كما يقول أعداؤه؛ هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه، وهو السُدَى الذي نزّه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه، فإذا خرج العبد عما خُلِق له من الطاعة والعبودية؛ فقد خَرَج عن أحب الأشياء إلى الله؛ وعن الغاية التي لأجلها خُلقت الخليقة، وصار كأنه خُلق عبثا لغير شيء، إذ لم تُخرج أرضُه البذر الذي وُضِعَ فيها، فإذا راجع ما خُلق له، وأوجد لأجله؛ فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها، وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل؛ فاشتدت محبة الرب له فإن الله يُحِبّ التوابين ويحب المتطهرين؛ فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح.

فما الظن بمحبوب تحبه حبا شديدا أسره عدوك وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب؛ ثم أنه أفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد، فلم يفجأك إلا وهو على بابك؛ فكيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت