وكذلك كان صبر إسماعيل على الذبح وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف.
فعلمت بهذا أن الصبر لله أكمل من الصبر بالله، والصبر على طاعته والصبر عن معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره) أهـ (2\ 193) المدارج
*أما المفاضلة بما له فيه كسب:
فقد قال شيخ الإسلام: (الصبر على أداء الطاعات: أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة: أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة: أبغض إليه من مفسدة وجود المعصية) أهـ (2\ 179) مدارج السالكين
*قال ابن القيم في المدارج: (وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله) .
فالأول: الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المُصَبِّر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه، قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} (النحل 127) يعني إن لم يُصَبِّرك هو لم تصبر؛ فلا قوة لك على صبر إلا به؛ وهذا تحقيق (لا حول ولا قوة إلا بالله) علما ومعرفة وحالًا.
الثاني: الصبر لله: وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه والتقرب إليه؛ لا لإظهار قوة النفس والاستحماد عند الخلق وغير ذلك من الأغراض.
الثالث: الصبر مع الله: وهو دوران العبد مع مراد الله الديني صابرا نفسه مع أحكام الله الدينية يتوجه معها أينما توجت ركائبها، فهذا معنى كونه صابرا مع الله، أي جعل نفسه وقفا على أوامره ومَحابّه، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها وهو صبر الصدّيقين كما سماه ابن القيم، وسماه يحيى بن معاذ صبر المحبين، وهو أشد من صبر الزاهدين وعجبا كيف يصبرون؟ وأنشد:
والصبر يجمل في المواطن كلها *** إلا عليك فإنه لا يجمل
*قال ابن القيم: (والصبر لله فوق الصبر بالله وأعلى درجة منه وأجل، فإن الصبر لله: متعلق بإلهيته، والصبر به: متعلق بربوبيته، وما تعلق بإلهيته أكمل وأعلى.
-ولأن الصبر له؛ عبادة، والصبر به؛ استعانة، والعبادة غاية والاستعانة وسيلة، والغاية مرادة لنفسها والوسيلة مرادة لغيرها.