فقوله في آخر الحديث (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه الأفعال المذكورة وهو التوكل على الله وصدق الإلتجاء إليه واعتماد القلب عليه وحده والذي هو نهاية تحقيق التوحيد، الذي يثمر كل مقام شريف: من المحبة والرجاء والخوف والرضى بالله ربا وإلها والرضى بقضائه.
3 -صرف قوة توكله إلى سفاسف الأمور وإهمال ما يحبه الله من المعالي: ذكر ابن القيم أن كثرًا من المتوكلين يكون مغبونًا في توكله كمن صرف توكله إلى حاجة جزئيه استفرغ فيها قوّة توكله، ويمكن نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرًا،
كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى جوع يمكن زواله بنصف رغيف أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين، فينشغل بتوكل العامة بل وبتوكل الدواب والوحوش، ويدع توكل الرسل والأنبياء ونحوهم من الخاصة الذين تكون همتهم في توكلهم تحصيل ما يحبه الله ويرضاه.
وعن الحسين بن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها) رواه الطبراني في الكبير.
* ومن ثمرات التوكل:
1 -تحصيل الثمرة الرئيسية التي وضعنا هذا البحث من أجلها ألا وهي محبة الله تعالى وما تتضمنه من آثار وثمار عظيمة.
2 -أن الله قد جعل نفسه العظيمة جزاء المتوكل عليه وكفايته فمنحه بذلك أعظم الضمان. فقال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق 3) (فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره، وهذا يدل على أن التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه) المدارج.
3 -أن الله يتولى من يتوكل عليه ويقلبه في أموره بنعمة منه سبحانه وفضل، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) } (آل عمران) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم